عدد المشاهدات : 61

الأدعية والأذكار النبوية

لماذا شعبان؟

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ رسولُ اللهِ يَصُومُ حتى نقول: لا يُفْطِر، ويُفْطِر حتى نقول: لا يَصُوم، وما رأيتُ رسولَ اللهِ استَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ إلاَّ رمضانَ، وما رَأيتُه أكثر صيامًا منه في شعبان" (رواه البخاري ومسلم)

 

شهر يستعد فيه الصالحون ويتسابقون فيه، ويراجع فيه العاصون أنفسهم ليتوب الله على من يريد أن يتوب عليه. إنه شهر شعبان وهو شهر كريم احتفى النبي – صلى الله عليه وسلم – بكثرة الصيام فيه، وفي ذلك سبيين لخصهما النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والنسائي عن أسامة بن زيد، قَال: قُلتُ: يا رسول الله، لمْ أرَكَ تصوم شهْرًا من الشهور ما تصوم مِنْ شعْبان، قال: "ذلك شهْرٌ يغْفُل الناس عنْه بيْن رجب ورمضان، وهو شهْرٌ تُرْفَع فيه الأعْمال إلى ربِّ العالمين، فأحبّ أنْ يرْفعَ عملي وأنا صائمٌ".

يقول العلماء في أسرار وفضائل شهر شعبان:

أنه يقع بين شهرين عظيمين: شهر الله الحرام "رجب" وشهر الصيام "رمضان" ومن ثم يكون كثير من الناس في غفلة عنه، وتكون طاعة الله وقت غفلة الناس أشق على العبد فإذا كانت الناس في طاعة الله عز وجل تيسرت الأعمال الصالحة على العباد وأما إذا كان الناس في غفلة تعسرت الطاعة على المستيقظين.

يرجع تفضيل هذا الشهر أنه تُرفع فيه الأعمال إلى الله، وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". 

ولذا فيجب علينا أن نستثمر هذا الشهر الكريم ونجتهد فيه حتى إذا أظلنا رمضان أصبحنا أكثر اجتهادا وأكثر قدرة على طاعة الله، فعلينا أن نقتدي بسنة الحبيب المصطفى فيما كان يفعله مع حلول هذا الشهر العظيم. 

شهر رفع الأعمال

عن أُسَامَة بْن زَيْدٍ من حديث النبي صلي الله عليه وسلم لما سئل عن كثرة صيامه في شعبان:" .. وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إِلى رَبِّ العَالمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عملي وَأَنَا صَائِمٌ"


شهر شعبان تُرفع الأعمال إليه سبحانه وتعالى؛ ففي هذا الشهر يتكرَّم الله على عباده بتلك المنحة عظيمة؛ منحة عرض الأعمال عليه سبحانه وتعالى، وبالتالي قبوله ما شاء منها. إن شهر شعبان هو الموسم الختامي لصحيفتك وحصاد أعمالك عن هذا العام ، فبم سيُختم عامك؟ ثم ما الحال الذي تحب أن يراك الله عليه وقت رفع الأعمال؟ وبماذا تحب أن يرفع عملك إلى الله؟ هي لحظة حاسمة في تاريخ المرء، يتحدد على أساسها رفع أعمال العام كله إلى المولى تبارك وتعالى. 

أدرك نفسك قبل انتصاف شعبان

روى ابن ماجه والطبراني وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن"  (صححه الألباني).
المشرك كل من أشرك مع الله شيئا في ذاته تعالى أو في صفاته أو في عبادته. والمشاحن قال ابن الأثير: هو المعادي، والشحناء العداوة. وقال الأوزاعي: أراد بالمشاحن هاهنا صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة"
وقال ابن عبد البر في التمهيد "..فالشحناء العداوة"
وفي عون المعبود شرح سنن أبي داود " الشحن أي عداوة تملأ القلب"

شهر شعبان فرصة لمحو الأحقاد من القلوب تجاه الأرحام والأقارب والجيران وسائر المسلمين، ليكن شعارك قوله تعالى: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" قال بعض السلف: "أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو".

حديث الإسراء والمعراج الطويل

عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ. قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ.

ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ [الدنيا] فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ [عليه السلام] فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ [فقال مرحبا بك من ولد ومرحبا بك من رسول].

ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِابْنَيْ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ [فقالا مرحبا بك من أخ ومرحبا بك من رسول].

ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ [فقال مرحبا بك من أخ ومرحبا بك من رسول].

ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ [في السماء الرابعة] فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ [فقال مرحبا بك من أخ ومرحبا بك من رسول] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}[سورة مريم:57].

ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ [قال مرحبا بك من أخ ومرحبا بك من رسول].

ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ [فقال مرحبا بك من أخ ومرحبا بك من رسول].

ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ –وفي رواية: قال فانتهيت إلى بناء فقلت للملك: ما هذا؟ قال: بناء بناها الله للملائكة- وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ [فقال مرحبا بك من ولد ومرحبا بك من رسول] ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى [وأنا أعرف أنها سدرة أعرف ورقها وثمارها] وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ. قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [عز وجل] مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا.

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ –وفي رواية: بكم أمرت-؟ قُلْتُ: [أمرت بـ] خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ؛ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا- وفي رواية: عشراً- فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام [فيحط عني خمسا خمسا] حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً – وفي رواية: فنوديت أني قد أكملت فريضتي وخففت عن عبادي لكل صلاة عشر صلوات- وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقُلْتُ: [بل أسلم]قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. (حديث صحيح)

أفضل ما احتوته الكتب السماوية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها. وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته )...
متفق عليه 

بين المسجدين

"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الإسراء: 1].

قال الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله تعالى -: لماذا كانت الرحلةُ إلى بيت المقدس، ولم تبدأ مِن المسجد الحرام إلى سِدرة المنتهى مباشرة؟

 

يقول: إنَّ هذا يرجِع بنا إلى تاريخ قديم، فقد ظلَّتِ النبوَّات دهورًا طوالاً وهي وقفٌ على بني إسرائيل، وظلَّ بيت المقدس مهبطَ الوحي، ومشرق أنواره على الأرض، وقصبة الوطن المحبَّب إلى شعْب الله المختار.

فلمَّا أهدر اليهود كرامة الوحي، وأسقطوا أحكامَ السماء، حلَّتْ بهم لعنةُ الله، وتقرَّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبَد، ومِن ثَمَّ كان مَجيء الرِّسالة إلى محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - انتقالاً بالقيادة الرُّوحية في العالَم من أمَّة إلى أمَّة، ومن بلدٍ إلى بلد، ومِن ذرية إسرائيل إلى ذريَّة إسماعيل.

ورغم غضب اليهود وحسدهم على انتزاع الرسالة منهم وذهابها إلى أمة يتكبرون عليها (الأميين) فإن إرادة الله مضَتْ، وحمَّلت الأمة الجديدة رِسالتها، وورث النبيُّ العربيُّ تعاليمَ إبراهيم وإسماعيل ويعقوب - عليهم السلام - وقام يكافِح لنشرها، وجمع الناس عليها، وكانت أمته خير الأمم لأنها قالت لربها ورسولها "سمعنا وأطعنا" على عكس بني إسرائيل الذين قالوا لأنبيائهم "سمعنا وعصينا".

إن رحلة الإسراء دليل أن الأنبياء جميعهم جاءوا برسالة الإسلام، وإمامة النبي بهم في الصلاة سيدته عليهم، وصلاته في المسجد الأقصى بهم ربط بين ا��مسجدين برسالة الإسلام الواحدة. وفي السُّنَّة الصحيحة أنَّ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى بإخوانه الأنبياء ركعتَين في المسجد الأقْصَى، فكانتْ هذه الإمامة إقرارًا مبينًا بأنَّ الإسلامَ كلمة الله الأخيرة إلى خلْقه، أخذت تمامَها على يدِ محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم -.

رحمة الله واسعة شاملة دائمة

"الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" (سورة الفاتحة -3) الرحمن يدل على سعة رحمة الله، والرحيم يدل على إيصالها لخلقه، فالرحمن: ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، والرحيم: ذو الرحمة الواصلة. وهو ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة.

الفاتحة... مقسومة بين الرب وعبده

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، 
فإذا قال العبد: { الحمد لله رب العالمين }، قال الله: حمدني عبدي. 
فإذا قال: {الرحمن الرحيم}، قال: اثنى علي عبدي. 
فإذا قال: { مالك يوم الدين }، قال مجدني عبدي. 
وإذا قال:{إياك نعبد وإياك نستعين }، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. 
فإذا قال: { اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل) ... 
رواه مسلم وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب

شغف الصحابة ببيت المقدس

عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: تذاكرنا - ونحن عند رسول الله - أيهما أفضل: أمسجد رسول الله أَم بيت المقدس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا. قال: أو قال: خير له من الدنيا وما فيها"، أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني.

هذا التذاكر بين الصحابة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الأقصى يدل على حبهم له وحرصهم وشغفهم به، ولم يمنعهم بعد المسافة أو سيطرة الرومان عليه من نسيانه أو تناسيه، بل كان حديث كثير من مجالسهم، وكأنه تذاكر في فضله وتذكير بشأنه.

لمن الملك اليوم؟

"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" (سورة الفاتحة – 4)

كما أن الله هو رب العالمين في الدنيا فإنه مالك يوم البعث والجزاء، وفيه لا يجرؤ أحد من الخلق أن يدّعي ملكا كما يفعل في الدنيا، فلا يملك أحد في ذلك اليوم مع الله حكما، وفيه يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فلابد من الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي.

وما قدروا الله حقّ قدره

يقبض الحق تبارك الأرض بيده في يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه كما قال تبارك وتعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، وفي الحديث المتفق على صحته؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض))

حصر وقصر

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (سورة الفاتحة – 5)

نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة، وننفي ذلك عمّن سواك، نعبدك ولا نعبد غيرك، ونستعين بك ولا نستعين بغيرك. وفي الآية صيغة حصر وقصر للعبادة والاستعانة بالله فقط، وعند العرب إذا قلت: إياك أعني، يفهم أنه ما أراد غيره قط، ولم يخطر بباله سواه.

 

والكلمتان مقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين، فنصفهما له - تعالى - وهو {إياك نعبد}، ونصفهما لعبده وهو {إياك نستعين}

وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده، وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء.

فوائد من سورة القدر - 1

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}

 

فوائد من السورة الكريمة:

- الاختصاص بيد الله سبحانه وتعالى فهو الذي فضل بعض النبيين عن بعض وفضل بعض الشهور عن بعض وفضل بعض الأوقات عن بعض وفضّل أمة على أمة فاختص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الليلة المباركة.

- ليلة القدر هي في حقيقتها فرصة لإطالة العمر فألف شهر تعادل تقريبيا اثنان وثمانون عاما فمن يدرك ليلة القدر عشر مرات فكأنما عاش عشرين وثمانمائة عاما ومن أدركها عشرين مرة فكأنما عاش أربعون وستمائة وألف من الأعوام وهكذا وأي نعمة أكبر من ذلك.

- ليست العبرة بطول الأعمار إنما بحسن الأعمال فليس المهم أن تمتد الحياة ولكن المهم أن تمتلئ ورب لحظة واحدة هي في جوهرها خير من الحياة كلها فليلة القدر تعادل اثنان وثمانون عاما ولحظة واحدة من الصحابة مع رسول الله تساوي أعمارا كثيرة.

له الحمد في الأولى والآخرة

"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (سورة الفاتحة -2)

الثناء على الله هو فاتحة الكتاب، وحمد عميق من العبد لله تعالى بما أوْلاه من النعم الجليلة فهو الرب القائم على كل الخلق بنعم الإيجاد والإمداد والإصلاح والهداية والإرشاد

تجارة لن تبور

قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 29، 30].
قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، أي: يَتَّبعونه في أوامره فيَمتثِلونها، وفي نواهيه فيَترُكونها، وفي أخبارِه فيُصدِّقونها ويعتقدونها، ولا يُقدِّمون عليه ما خالَفَه من الأقوال، ويَتلُون أيضًا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبُّعها واستخراجها)

كتاب مهيمن

قال الله عزَّ وجلَّ لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48].
قال الحافظ ابنُ كثير رحمه الله: (فهو أمينٌ وشاهدٌ وحاكمٌ على كلِّ كتابٍ قَبْله، جعَل الله هذا الكتابَ العظيم- الذي أنزله آخِرَ الكتُب وخاتمها- أشملَها وأعظمَها وأحكمَها، حيث جمع فيه محاسنَ ما قبله، وزاده من الكمالاتِ ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلِّها، وتكفَّل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9])

متى تتلمس المغفرة؟!

صَعَد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : آمين ، آمين ، آمين . قيل : يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت : آمين ، آمين ، آمين . فقال : إن جبريل عليه السلام أتاني فقال لي : مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغْفَر له ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قُل آمين ، فقلت : آمين . ومَن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يَبرّهما فمات ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت : آمين . ومَن ذُكِرْتَ عنده فلم يُصَلّ عليك فمات ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت : آمين . رواه ابن خزيمة والحاكم وصححه ، ورواه ابن حبان .

والـبُعد هنا بِمعنى الطرد والهلاك ، ففي رواية : فأبعده الله وأسحقه .
" مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغْفَر له ، فدخل النار ، فأبعده الله " ..
مَن أدرك رمضان فلم يُغفَر له فَمتى يلتمس المغفرة ؟
من أدرك مواسم الخيرات فلم يُغفَر له فمتى يرجو المغفرة ؟
من لم يستغل هذه الفرصة فأي فرصة يرجوها ؟

حال النبي في العشر الأواخر

في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره"

فهم الحديث:

"وشد مئزره" كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد، ومعناه التشمير في العبادات. وقيل هو كناية عن ترك الجماع.

"أحيا الليل" : أي استغرقه بالسهر في الصلاة والقرآن والذكر والدعاء.

"وأيقظ أهله": أي أيقظ أزواجه للقيام والعبادة ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في سائر السنة لكن  فعله هذا في العشر الأواخر من رمضان كان أبرز منه في سائر السنة وذلك بسبب الزمن الفاضل وشرفه.

المجاهرة بالمعاصي

عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " كُلُّ أَمَّتِى مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً ، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ ، فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ" .
أخرجه البخاري ومسلم

أهم فوائد الحديث التحذير من المجاهرة بالمعاصي؛ فالنفس متى ألفت ظهور المعاصي زاد انهماكها فيها ولم تبالي باجتنابها، لذا حذر الشرع المطهر من مجاهرة الله بالمعصية وبين الله تعالى أن ذلك من أسباب العقوبة والعذاب فمن النصوص الدالة على ذلك قوله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النور:19. هذا الذم والوعيد فيمن يحب إشاعة الفواحش فما بالك بمن يشيعها ويعلنها.

الدين النصيحة

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، قَالُوا : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : ِللهِ ، وَلِكِتَابِهِ ، وَلِنَبِيِّهِ ، وَلأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ.- وفي رواية : إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، قَالُوا : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : ِللهِ ، وَلِكِتَابِهِ ، وَلِرَسُولِهِ ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.
أخرجه  أحمد ومسلم وأبوداود والنسائي

قال ابن حجر :" فَالنَّصِيحَة لِلَّهِ وَصْفهُ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْل ، وَالْخُضُوع لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَالرَّغْبَة فِي مَحَابِّهِ بِفِعْلِ طَاعَته وَالرَّهْبَة مِنْ مَسَاخِطِهِ بِتَرْكِ مَعْصِيَته ، وَالْجِهَاد فِي رَدّ الْعَاصِينَ إِلَيْهِ . وَرَوَى الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع عَنْ أَبِي ثُمَامَة صَاحِب عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : يَا رُوح اللَّه مَنْ النَّاصِح لِلَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يُقَدِّم حَقّ اللَّه عَلَى حَقّ النَّاس . وَالنَّصِيحَة لِكِتَابِ اللَّه تَعَلُّمه ، وَتَعْلِيمه ، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلَاوَة ، وَتَحْرِيرهَا فِي الْكِتَابَة ، وَتَفَهُّم مَعَانِيه ، وَحِفْظ حُدُوده ، وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ ، وَذَبّ تَحْرِيف الْمُبْطِلِينَ عَنْهُ . وَالنَّصِيحَة لِرَسُولِهِ تَعْظِيمه ، وَنَصْره حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَإِحْيَاء سُنَّته بِتَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمهَا ، وَالِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَقْوَاله وَأَفْعَاله ، وَمَحَبَّته وَمَحَبَّة أَتْبَاعه . وَالنَّصِيحَة لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِعَانَتهمْ عَلَى م َا حَمَلُوا الْقِيَام بِهِ ، وَتَنْبِيههمْ عِنْد الْغَفْلَة ، وَسَدّ خُلَّتهمْ عِنْد الْهَفْوَة ، وَجَمْع الْكَلِمَة عَلَيْهِمْ ، وَرَدّ الْقُلُوب النَّافِرَة إِلَيْهِمْ ، وَمِنْ أَعْظَم نَصِيحَتهمْ دَفْعهمْ عَنْ الظُّلْم بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن . وَمِنْ جُمْلَة أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ أَئِمَّة الِاجْتِهَاد ، وَتَقَع النَّصِيحَة لَهُمْ بِبَثِّ عُلُومهمْ ، وَنَشْر مَنَاقِبهمْ ، وَتَحْسِين الظَّنّ بِهِمْ . وَالنَّصِيحَة لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ الشَّفَقَة عَلَيْهِمْ ، وَالسَّعْي فِيمَا يَعُود نَفْعه عَلَيْهِمْ ، وَتَعْلِيمهمْ مَا يَنْفَعهُمْ ، وَكَفّ وُجُوه الْأَذَى عَنْهُمْ ، وَأَنْ يُحِبّ لَهُمْ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، وَيَكْرَه لَهُمْ مَا يَكْرَه لِنَفْسِهِ . ابن حجر : الفتح 1/89.

نداء للمؤمنين فقط

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة -  183)

من فوائد الآية:
أن الصيام؛ من مقتضيات الإيمان لذلك فإن الله تعالى صدّر الأمر بالصيام بنداء للمؤمنين، وتوجيه الخطاب إلى المؤمنين يثبت أن الصيام من أعمال الإيمان ويؤكد أنّ تركه مخل بالإيمان.
كلمة (كُتب) تعني (فُرض) فالصيام فريضة من الله على العباد، وهو أحد أركان الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة وأن من أنكره كافر مرتد عن الإسلام.
كما يستفاد من الآية بأن الله فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ وفي ذلك إشعار لنا بوحدة الدين في أصوله ومقصده وأن الأنبياء دينهم واحد هو الإسلام وإن اختلفوا في فروع الشريعة. مما يؤكد أن الصيام أصل لا خلاف عليه بينهم. وفي إعلامنا بأنه فُرض على من قبلنا تسلية لنا بما ألزم به غيرنا ليهون عليناالقيام به.

ثمرة الصيام للمتقين فقط

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة -  183)

الحكمة في إيجاب الصيام؛ الوصول لتقوى الله؛ لقوله تعالى:  لعلكم تتقون. إن هدف الصيام وأثره: التربية على التقوى، فإن الله عز وجل لم يشرع العبادة لنتعذب بها، أو يصيبنا منها الحرج والمشقة بالامتناع عما نشتهي، ولكن لحكمة التربية على مراقبة الله عز وجل في السر والعلن والصبر على ذلك، وأن نترك الشيء لأجله سبحانه، حتى لو كان محبوباً مشتهى في النفوس. والتربية على الأخلاق الحميدة لا تخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها.

ومن امتنع عن مشتهى نفسه من أكل وشرب وغيره مما أحله الله طاعة لربه، وقُربة له وتعبداً، حريٌ به أن يتولد في قلبه نفور وابتعاد عما هو محرم في الأصل، و إلا فما معنى أن يترك الصائم ما طاب مما أحله الله من طعام وشراب وغيره، ثم هو يقع في غيبة ونميمة وسوء ظن، وعقوق وشتم وسب وغير ذلك مما حرمه الله في رمضان وغيره، وفي الصحيح: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ).

الصيام ومنزلة التقوى

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة -  183)

إذا كان الهدف من الصيام وغايته ومنتهاه الوصول لتقوى الله عز وجل، فإن الله جعله فرضا ووسيلة في نفس الوقت للوصول لغاية عظيمة، وفي ذلك دلالة على فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله" (سورة النساء: 131).
ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان الذي يريد بلوغ التقوى أن يعمل بما أمر الله تعالى ويتحرى طاعته، ويجتنب من نهى عنه ويبتعد عنه أشد الابتعاد. ولهذا فقد أثر عن الصحابي عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - تفسيره لقوله تعالى "اتقوا الله حق تقاته" : "ﺃﻥ ﻳﻄﺎﻉ ﻓﻼ‌ ﻳﻌﺼﻲ ﻭﻳﺬﻛﺮ ﻓﻼ‌ ﻳﻨﺴﻰ ﻭﺃﻥ ﻳﺸﻜﺮ ﻓﻼ‌ ﻳﻜﻔﺮ".
 

الصيام اختبار رباني في الكف

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة -  183)

من فوائد الآية: حكمة الله  بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض كالزكاة والصدقات؛ ومنها ما هو بدني محض كالصلاة؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي كالحج؛ ومنها ما هو كفّ عن مباحات كالصيام، وذلك يتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله بحكمته العبادات. وجعل اتيانها والإلتزام بها دليل على إسلام العبد لله تعالى وانقياده لأحكامه وفعله جميع ما افترضه الله عليه في المنشط والمكره أي فيما يحب ويكون فيه نشيطا، وفيما يستثقل ويكره. 

أيام معدودات

"أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة:184) 

يستفاد من قوله تعالى:  "أياماً معدودات" أن الصوم أيامه قليلة مقارنة بالعام كله. ويسفتاد من الآية رحمة الله  بعباده؛ لقلة الأيام التي فرض عليهم صيامها.

في قوله تعالى: "أياماً معدودات"... تعليم للمربين وتوجيه باستخدام الكلمات التي تهوّن الأمر على المخاطب، وأن يكون تعبيرهم بكلمات يشعر معها المخاطب أن الأمر ميسر وسهل.

رخصة للمريض - 1

"أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة:184)

المشقة تجلب التيسير؛ لقوله تعالى:  "فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" ؛ لأن المرض، والسفر مظنة المشقة.

وهكذا فيجوز الفطر للمريض؛ الذي يشق معه الصوم، أو يتأخر معه البرء؛ هذا وللمريض حالات:

الأولى: أن لا يضره الصوم، ولا يشق عليه؛ فلا رخصة له في الفطر.

الثانية: أن يشق عليه، ولا يضره؛ فالصوم في حقه مكروه؛ لأنه لا ينبغي العدول عن رخصة الله.

الثالثة: أن يضره الصوم؛ فالصوم في حقه محرم؛ لقوله تعالى:  "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً" [النساء: 29] .

رخصة للمريض - 2

"أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة:184) 

في الآية رخصة لمن يعجز عن الصيام مطلقا كالمريض المرض المزمن الذي لا يرجى برؤه ويضره الصيام، والعجوز، والحامل والمرضع التي تخشى على نفسها وولدها.
فمن عجز عن الصيام عجزاً لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ ووجه الدلالة أن الله  جعل الإطعام عديلاً للصيام حين التخيير بينهما؛ فإذا تعذر الصيام وجب عديله؛ ولهذا ذكر ابن عباس  أن هذه الآية في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، فيطعمان عن كل يوم مسكيناً. ويرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف.

رخصة للمسافر

"أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة:184) 

في الآية رخصة للمسافر أن يفطر؛ وللمسافر باعتبار صومه في سفره حالات ثلاث:

الحالة الأولى: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقاً؛ يعني: ليس فيه مشقة تزيد على صوم الحضر؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل؛ وإن أفطر فلا حرج؛ ودليله أن الرسول – صلى الله عليه وسلم -  كان يصوم في السفر.
الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة؛ فهنا الأفضل الفطر؛ والدليل عليه أن النبي  كان في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظُلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: صائم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: "ليس من البر الصيام في السفر".
الحالة الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة؛ فهنا يتعين الفطر؛ ودليله: ما ثبت في الصحيح أن الرسول  كان في سفر، فشُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما يفعل؛ فدعا بماء بعد العصر، فشربه، والناس ينظرون؛ ثم جيء إلى النبي، وقيل له: إن بعض الناس قد صام فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة! أولئك العصاة!» ؛ والمعصية لا تكون إلا في فعل محرم؛ أو ترك واجب.

فوائد من سورة القدر - 1

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}

 

فوائد من السورة الكريمة:

- الاختصاص بيد الله سبحانه وتعالى فهو الذي فضل بعض النبيين عن بعض وفضل بعض الشهور عن بعض وفضل بعض الأوقات عن بعض وفضّل أمة على أمة فاختص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الليلة المباركة.

- ليلة القدر هي في حقيقتها فرصة لإطالة العمر فألف شهر تعادل تقريبيا اثنان وثمانون عاما فمن يدرك ليلة القدر عشر مرات فكأنما عاش عشرين وثمانمائة عاما ومن أدركها عشرين مرة فكأنما عاش أربعون وستمائة وألف من الأعوام وهكذا وأي نعمة أكبر من ذلك.

- ليست العبرة بطول الأعمار إنما بحسن الأعمال فليس المهم أن تمتد الحياة ولكن المهم أن تمتلئ ورب لحظة واحدة هي في جوهرها خير من الحياة كلها فليلة القدر تعادل اثنان وثمانون عاما ولحظة واحدة من الصحابة مع رسول الله تساوي أعمارا كثيرة.

فوائد من سورة القدر - 2

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}

 

  • سلام هي حتى مطلع الفجر: ورد في الحديث أن الله هو السلام والسلام هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى وكون ليلة القدر هي ليلة سلام وهي أول ليلة نزل فيها القرآن فالله يريد للعالم السلام والأمان ويريد سلام المجتمع من الرذيلة وسلامة القلوب والنفوس من الأحقاد ويريد سلامة العلاقات من الانحراف وغيرها من أنواع السلام في الأمة بل في العالم.
  • ليلة القدر ولادة للإسلام على وجه الأرض فهي يجب أن تكون نقطة بداية في حياة المسلم لا نقطة عابرة ويجب أن تكون نقطة تحول في حياته لا أن تكون مجرد ذكر لها طقوس معينة.
  •  كثير من الناس يفهمون الحديث في قيام ليلة القدر فهما مجتزءا فليس معنى (من قام ليلة القدر) فقط في العبادات المختلفة ولكن معنى القيام يضاف له معنى آخر هو أن نعمل بمقتضيات ليلة القدر من كل معاني الإسلام وأحكامه بعد انتهائها وهذا هو القيام الأمثل لليلة القدر.

فضيلة شهر رمضان

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185)

من الفوائد المستنبطة من هذه الآية: بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله  في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان. ومنها: فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله  فرض على عباده صومه.

ومنها: أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر؛ وما تضمنه القرآن من الهداية لجميع الناس؛ لقوله تعالى:  هدًى للناس.

ومنها: أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه فلا فائدة في الآيات له. ولذك فإن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين النافع، والضار؛ وبين أولياء الله، وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه.

رمضان والقرآن -1

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185)

في إقران شهر رمضان بالقرآن شرف عظيم للآخذ بهما معا. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في مسنده: "الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، و يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان". بل إنه في حديث آخر عبر عنهما بشيء واحد؛ قال صلى الله عليه وسلم : "يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول : أنا الذي أسهرت ليلك و أظمأت نهارك".

والمؤمن في شهر رمضان يجتمع له جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفاه الله أجره بغير حساب".

رمضان والقرآن -2

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185) 

ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح  فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا مرتلا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره روى الإمام أحمد عن حذيفة قال أتيت النبي صلى اللهم عليه وسلم في ليلة من رمضان فقام يصلي فلما كبر قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها ثم ركع يقول سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائما ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال رب اغفر لي مثل ما كان قائما ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقام فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة.

وكان عمر قد أمر أبي بن كعب و تميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر.

الله يريد اليسر ولا يريد العسر

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185) 

من أحكام الآية: وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، أو برؤية هلاله؛ وقد جاءت السنة بثبوت دخوله إذا رآه واحد يوثق بقوله.

ومن أحكامها: تيسير الله على عباده، حيث رخص للمريض الذي يشق عليه الصوم، وللمسافر مطلقاً أن يفطرا، ويقضيا أياماً أخر.

ومن فوائد الآية: أن شريعة الله  مبنية على اليسر، والسهولة؛ لأن ذلك مراد الله  في قوله تعالى:  "يريد الله بكم اليسر"؛ وقد صح عن النبي  أنه قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"
ثم أن الله أكد التيسير في نفي ضده وهو العسر في قوله "ولا يريد بكم العسر": فنفى أن تكون شريعته قامت على الحرج والمشقة والعسر. ولذلك إذا دار الأمر بين التحليل، والتحريم فيما ليس الأصل فيه التحريم فإنه يغلب جانب التحليل؛ لأنه الأيسر، والأحب إلى الله.

تكبير الله وتعظيمه

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185) 

من فوائد الآية:  مشروعية التكبير عند تكميل العدة؛ لقوله الله تعالى:  "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم"؛ والمشروع في هذا التكبير أن يقول الإنسان: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ؛ وإن شاء أوتر فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ؛ وإن شاء أوتر باعتبار الجميع فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». 

وفي تكبير العبد بعد إتمامه رمضان معنىً عجيب، وهو أن العبد لا يجب أن يغترّ بعمله ولا يعجب بأفعاله بل يستشعر بفضل الله ومنّه عليه أن هداه ووفقه وأعانه، وأنه لا يدري أقبل الله طاعته أم لم يقبلها، وهنا فإنه يكبّر لأن قدر الله أكبر وأعظم من صيام شهر وقيامه.

شكر الله على توفيقه

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185) 


من فوائد الآية: أن الله يشرع الشرائع لحكمة، وغاية حميدة وهي شكره على ما أنعم وتفضل وهدى وشرع؛ لقوله تعالى: "لعلكم تشكرون".

وإن القيام بطاعة الله من الشكر له؛ ويدل لهذا قول النبي : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله ؛ وقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً»؛ وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح.
ومن عصى الله  فإنه لم يقم بالشكر. بل إن توفية شكر الله تعالى على نعمه صعب وعزيز جدا، قال تعالى: "وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور".

طهرة للصائم وطعمة للمسكين

عن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائ��مِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ . رواه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح أبي داود .

 

جاءت زكاة الفطر في ختام الشهر لتجبر قصور الصائم وتغسل ما قد يكون علق به مما يكدر صومه وينقص أجره، كما أن فيها إظهار شكر نعمة الله بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه، وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة فيه. وفي زكاة الفطر مواساة للمساكين وأهل الحاجة مما ينشر الفرح والسرور ليشمل جميع فئات المجتمع.

 

فرح الصائم بإكمال العدة

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]

قال الشافعي إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة.

إن التكبير نوع من شكر المولى عز وجل وفرحة بفضل الله ورحمته ، وكريم إنعامه ، ووافر عطائه، فيفرح العبد بفضل الله الذي هداه يوم ضل غيره "ولتكبروا الله على ما هداكم".

وفرحة بإكمال العدة واستيفاء الشهر، وبلوغ يوم الفطر بعد إتمام شهر الصوم، فلله الحمد على ما وهب وأعطى، وامتن وأكرم، ولله الحمد على فضله العميم ورحمته الواسعة "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فيلفرحوا هو خير مما يجمعون".

صحبة الأخيار

من الفوائد المترتبة على صحبة الأخيار في الآخرة: الفوز برضا الله والجنة فمن صاحب الأخيار فاز معهم يوم القيامة يقول الله- جل وعلا-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67) . والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول للصحابي الذي سأله عن القوم يحبهم ولما يلحق بهم – يعني في العمل الصالح – فقال: (المرء مع من أحب). أي يحشر يوم القيامة مع من أحب.

تنعم المسلم وتنعم الكافر

﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾

[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]

 جزء من عقيدة المؤمن أن يعرف حقيقة الحياة الدنيا ، وأنَّها دار عمل وليسَت دار أمَل ، ودار تكليف وليْسَت دار تشريف ، فالذي يفْهم أن الحياة الدُّنيا دار اسْتِمتاع وتقلّب في النّعيم ، وطعام وشراب ، وسهرات ، ومُتَاع فحاله يكون كما وصف الله في هذه الآية

الإنسان المسلم مباح له أن يتنعَّم ‍، أما أن يجْعل التَّنَعُّم هدفه وأن يكون كل عمله في الدنيا من أجل التنعم فهذا مسلك الكفار 

أمين وشاهد وحاكم

"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ" [المائدة: 48].

قال الحافظ ابنُ كثير رحمه الله: (فهو أمينٌ وشاهدٌ وحاكمٌ على كلِّ كتابٍ قَبْله، جعَل الله هذا الكتابَ العظيم- الذي أنزله آخِرَ الكتُب وخاتمها- أشملَها وأعظمَها وأحكمَها، حيث جمع فيه محاسنَ ما قبله، وزاده من الكمالاتِ ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلِّها، وتكفَّل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]).

حال المؤمن مع كتاب الله

"إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ" [فاطر: 29، 30].

قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، أي: يَتَّبعونه في أوامره فيَمتثِلونها، وفي نواهيه فيَترُكونها، وفي أخبارِه فيُصدِّقونها ويعتقدونها، ولا يُقدِّمون عليه ما خالَفَه من الأقوال، ويَتلُون أيضًا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبُّعها واستخراجها).

وعن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَل المؤمنِ الذي يَقرأُ القرآنَ كمَثَل الأُتْرُجَّة؛ رِيحُها طيِّب وطَعمُها طيِّب، ومَثَلُ المؤمنِ الذي لا يَقرأ القرآنَ كمَثل التمرةِ؛ لا رِيحَ لها وطعمها حُلو، ومَثَلُ المنافقِ الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيحانةِ؛ رِيحها طيِّب وطعهما مُرٌّ، ومَثَلُ المنافق الذي لا يَقرأ القرآن كمَثَل الحنظلةِ، ليس لها رِيحٌ وطعمها مُرٌّ)).

أنفع شيء للقلب

"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" [ص: 29].

قال العلَّامةُ ابنُ القيِّم رحمه الله: (وبالجملةِ فلا شيءَ أنفعُ للقلب من قِراءة القرآنِ بالتدبُّر والتفكُّر؛ فإنَّه جامعٌ لجميع منازلِ السَّائرين، وأحوالِ العامِلين، ومقامات العارِفين، وهو الذي يُورِثُ المحبَّةَ والشوقَ، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكُّل، والرِّضا والتَّفويض، والشُّكر والصَّبر، وسائر الأحوال التي بها حياةُ القلبِ وكمالِه، وكذلك يَزْجُر عن جميعِ الصِّفاتِ والأفعال المذمومة، والتي بها فسادُ القلب وهلاكه، فلو علِم النَّاسُ ما في قراءةِ القرآنِ بالتدبُّر لاشْتَغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّر حتى مرَّ بآيةٍ وهو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرَّرها ولو مِئةَ مرَّة ولو ليلةً؛ فقِراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ من قراءة خَتمةٍ بغير تدبُّرٍ وتفهُّمٍ، وأنفعُ للقلب وأدْعى إلى حُصولِ الإيمان، وذَوْق حلاوة القرآنِ).

متى يجوز الحسد - 1

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" [متفق عليه]

‏الناس يحصل عندهم الحسد كثيراً بسبب عرض الدنيا وما أوتيه بعض إخوانهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث دلل على أن ذلك مما لا ينبغي أن تطمح إليه النفوس وتتطلع إليه أن يؤتى الإنسان كثيراً من عرض الدنيا، إنما الشيء الذي ينبغي أن يُغبط عليه الإنسان هو ذلك الذي أوتي الدنيا أوتي المال فسلطه على هلكته في الحق، يعني: في وجوه البر والمعروف والإنفاق في سبيل الله -تبارك وتعالى-، بخلاف من سلطه على هلكته في الفساد والشر أو الإسراف أو التضييع أو على شهواته أو على أموره المباحة، فإن مثل هذا لا يُغبط على ذلك، سلطه على هلكته في الحق.

متى يجوز الحسد - 2

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" [متفق عليه]

‏وتجوز الغبطة وهي تمني النعمة التي أعطاها الله لفلان من الناس دون أن تزول عن صاحبها في صنف ثانٍ من الناس:

 (ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)، "حكمة" فسرها بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر بالقرآن، وهذا التفسير يوجد ما يشهد له، وذلك أنه جاء بنحو هذا الحديث من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا حسد إلا في اثنتين)، فذكر الرجل الذي آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، فذكر الأمرين لكنه ذكر القرآن بدلاً من الحكمة، وهكذا أيضاً في حديث أبي هريرة في البخاري، فقد ذكر النبي    -��لى الله عليه وسلم-: (لا حسد إلا في اثنتين)، وذكر الأول قال: (ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)، فيمكن أن يفسِّر ذلك قولَه -صلى الله عليه وسلم- هنا (ورجل آتاه الله الحكمة)، الحكمة القرآن، والحكمة إذا تتبعتَها في مواردها في النصوص أحياناً تأتي ويراد بها النبوة، وأحياناً تأتي ويراد بها القرآن.

صلاة الله وملائكته

قال تعالى: "هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا" (سورة الأحزاب ٤٣)

الصلاة من الله هي المغفرة والعفو

الصلاة من الله هي الرحمة أن يرحمنا الله تعالى فهذه صلاة من الله علينا.

ومعنى أن الله تعالى يصلي على العبد أنه يثني عليه ويمدحه، ويشرّفه في الدنيا وفي الآخرة

والصلاة من الملائكة هي الدعاء والاستغفار للمؤمنين

حملة العرش يستغفرون لك

قال تعالى: "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾" (سورة غافر)

هذه الآية سطرها القرآن الكريم عن الملائكة، ملائكة خاصة، هم حملة العرش مختصون بالدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم وهناك ملائكة أخر يستغفرون لبقية الناس.

يقول الماوردي في معنى استغفار الملائكة للناس قولان:

    استغفار من الذنوب والخطايا
    طلب الرزق لهم من الله تعالى

يا لعظمة عطاء الله سبحانه وتعالى حيث جعل أشرف الخلق الملائكة المطهرون تستغفر للناس، والإنسان قد يكون أشرف من الملائكة إذا كان طائعًا أما إذا كان عاصياً فإنه يكون أحقر من الحيوان.

كيف تكون ممن يصلي الله عليهم؟

عن ابن عباس في قوله (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، قال فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال: (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) فإذا فعلتم ذلك؛ صلّى عليكم هو وملائكته، قال الله عز وجل: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ) .

صفات وارثي جنات الخلد

 "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (سورة المؤمنون)

قد فاز المصدِّقون بالله وبرسوله العاملون بشرعه. الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون, تَفْرُغُ لها قلوبهم, وتسكن جوارحهم. والذين هم تاركون لكل ما لا خير فيه من الأقوال والأفعال. والذين هم مُطَهِّرون لنفوسهم وأموالهم بأداء زكاة أموالهم على اختلاف أجناسها. والذين هم لفروجهم حافظون مما حرَّم الله من الزنا واللواط وكل الفواحش. إلا على زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم من الإماء, فلا لوم عليهم ولا حرج في جماعهن والاستمتاع بهن; لأن الله تعالى أحلَّهن. فمن طلب التمتع بغير زوجته أو أمَتِه فهو من المجاوزين الحلال إلى الحرام, وقد عرَّض نفسه لعقاب الله وسخطه. والذين هم حافظون لكل ما اؤتمنوا عليه, موفُّون بكل عهودهم. والذين هم يداومون على أداء صلاتهم في أوقاتها على هيئتها المشروعة, الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هؤلاء المؤمنون هم الوارثون الجنة. الذين يرثون أعلى منازل الجنة وأوسطها, هم فيها خالدون, لا ينقطع نعيمهم ولا يزول.

عهد من الله لمقيمي الصلاة

عن عبادة بن الصامت قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .
ورواه أبو داود أيضا عن عبادة بلفظ : ( خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ) .

علاقة التنازع والاختلاف

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (سورة الأنفال - 46)

التنازع: التخالف والاختلاف والتخاصُمُ. والفشل: الوهن والإعياء والجبن وانحطاط القوة، مادية أو معنوية .

ويلاحظ أن الخطاب القرآني قد ربط بين هذه المعاني، ورتب بعضها على بعض؛ رَبْط النتيجة بسببها، وتَرَتُّبَ المعلول على علته؛ وهذا شأن منهج القرآن الكريم في كثير من آياته، التي تقرر قانونًا عامًا، لا يتبدل ولا يتغير، بل يجري على سَنَنٍ ثابت مطرد لا اختلال فيه ولا تبديل { فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا } (فاطر:43) .

فقوله تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا } إخبار واضح، ونهي جازم، وسنة ثابتة، يدل على أن الفشل والتراجع – على مستوى الأمة أو الأفراد – إنما مرجعه إلى التنازع والاختلاف؛ إذ العلاقة بين الأمرين علاقة تلازمية، كعلاقة السبب بالمسبَّب تمامًا، لا تتخلف إلا إذا تخلفت سُنَن الحياة الكونية، كأن تصبح قوة الجاذبية إلى السماء لا إلى الأرض !

وعلى ما تقدم، فإن النهي عن التنازع يقتضي الأمر بمنع أسباب التنازع وموجباته، من شقاق واختلاف وافتراق؛ والأمر بتحصيل أسباب التفاهم ومحصلاته، من تشاور وتعاون ووفاق .

شروط التوبة

” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا “

يقول حفظه الله الأزمنة ثلاث : ماض ، وحاضر ، ومستقبل
والشروط العامة للتوبة ثلاث :
شرط يتعلق بالماضي وهو : الندم على ما فات
وشرط يتعلق بالحاضر وهو : الإقلاع عن الذنب
وشرط يتعلق بالمستقبل وهو : العزم على عدم العودة إلى الذنب

ووعد ووعيد

الواجب على كل مسلم حريص عدم التفريط في أي صلاة مكتوبة، والمبادرة إلى الصلاة في وقتها، وأداؤها في الجماعة، وقد قال الله تعالى: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا"

وقال عليه الصلاة والسلام: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما ف��هما لأتوهما ولو حبوا" متفق على صحته

روى الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوماً بين أصحابه فقال: "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وحشر يوم ­القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف"، وهذا وعيد عظيم لمن لم يحافظ على الصلاة.

 

فضل صلاة الرجل في المسجد

بيّن النبى صلى الله عليه وسلم أن صلاة الجماعة فضلها عظيم وثوابها كبير، وتزيد على صلاة المنفرد بدرجات ومن هذه الأحاديث:

ما روى عن أبى هريرة  رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته ، وفي سوقه ، خمسا وعشرين ضعفا ، وذلك أنه : إذا توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة ، إلا رفعت له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة ، فإذا صلى ، لم تزل الملائكة تصلي عليه ، ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة"

وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" 

كيف تنوّر بيتك؟

عن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا".

كان _عليه الصلاة والسلام_ يصلي النافلة في بيته، وأمر بذلك فقال: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".

وأكد النبي ذلك الفضل بقوله: "تطوُّعُ الرجل في بيتِهِ يزيدُ على تطوُّعِه عندَ الناس، كفضْلِ صلاة الرجل في جماعةٍ على صلاتهِ وحدَه"

وعن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما: "صلاة المرء في بيته نور فنوروا بيوتكم"

كلمات منجيات

عن أبي أسحق ، عن الأغر أبي مسلم  أنه شهد على أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى – رضى الله عنهما – أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال :

"إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر قال الله عز وجل : صدق عبدي لا إله إلا أنا وانا اكبر وإذا قال العبد : لا إله إلا الله وحده قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي وإذا قال : لا إله إلا الله لا شريك له قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك لي وإذا قال : لا لإله إلا الله له الملك وله الحمد قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد وإذا قال : لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي من رزقهن عند موته لم تمسه النار"

قال الألباني رحمه الله في (السلسلة الصحيحة): حديث صحيح.

فضائل لا تتخيلها في كلمة التوحيد - 1

عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات ـ كتب الله له بهن عشر حسنات، ومحا بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له عدل عتاقة أربع رقاب، وكن له حرسًا حتى يمسي. ومن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلاته فمثل ذلك حتى يصبح."

(رواه أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه)

 

عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال حين ينصرف من صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات ـ أعطي بهن سبعًا: كتب الله له بهن عشر حسنات، ومحا عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له عدل عشر نسمات، وكن له حفظًا من الشيطان، وحرزًا من المكروه، ولم يلحقه في ذلك اليوم ذنب إلا الشرك بالله, ومن قالهن حين ينصرف من صلاة المغرب أعطي مثل ذلك ليلته."

(رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد حسن)

فضائل لا تتخيلها في كلمة التوحيد - 2

عن عمارة بن شبيب السبائي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات ـ على إثر المغرب، بعث الله له مسلحة يحفظونه من الشيطان حتى يصبح، وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات"

(رواه النسائي والترمذي وحسنه الألباني)

 

عن عبد الرحمن بن غنم - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات ـ كتب الله له بكل واحدة عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت له حرزًا من كل مكروه، وحرزًا من الشيطان الرجيم، ولم يحل للذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا إلا رجلًا يفضله يقول أفضل مما قال".

(رواه أحمد وحسنه الألباني)

فضائل لا تتخيلها في كلمة التوحيد - 3

عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات ـ كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله".

(رواه الترمذي والنسائي وحسنه الألباني)

 

كما ورد تكراره مائة مرة في اليوم كله، كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك."

(رواه البخاري ومسلم)

معنى الصبر الجميل

أمرنا الله تعالى بالصبر الجميل في مواضع من القرآن منها قوله: "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا" (سورة المعارج - 5)

والصبر الجميل : هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله . وقيل هو حبس القلب عن التسخط، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن المعصية. وقيل لأحد السلف: ما الصبر الجميل؟ فقال: أن تبتلى وقلبك يقول: "الحمدلله".

ومع ذلك فإن الصبر الجميل لايتنافى مع بث المبتلى شكواه لله تعالى، يقول الإمام ابن تيمية - رحمه الله - : "قال يعقوب عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏}‏‏‏[‏يوسف‏:‏ 86‏]‏ مع قوله‏:‏ ‏{‏‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏}‏‏‏[‏يوسف‏:‏ 18‏]‏ فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ويروي عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث وعليك التكلان‏"‏‏ ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‏‏‏"اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي..."

سر كفاية الهم ومغفرة الذنب

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي ؟ فَقَالَ : مَا شِئْتَ . قَالَ قُلْتُ الرُبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ النِّصْفَ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ أَجْعَلُ لَ��َ صَلَاتِي كُلَّهَا ؟ قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ.

يقول شُرّاح الحديث: "من أعظم مطالب الدنيا : أن يكفيك الله الهم.... ومن أعظم مطالب اﻵخرة: أن يغفر الله لك الذنب.... وهما مضمونان ومكفولان بكثرة الصلاة والسلام على المصطفى صلى الله عليه وسلم."

وقال ابن علان البكري رحمه الله :  "ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه : أنها مشتملة على امتثال أمر اللّه تعالى ، وعلى ذكره وتعظيمه ، وتعظيم رسوله ، ففي الحقيقة لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي ، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل مما كان يدعو به لنفسه ، وحصل له مع ذلك صلاة اللّه وملائكته عليه عشراً ، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب ، فأيّ فوائد أعظم من هذه الفوائد ؟ ومتى يظفر المتعبد بمثلها ، فضلا عن أنفَسَ منها ؟ وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل؟"

نداء خليل الله

"وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (سورة الحج : 27)

أمر  الله تعالى نبيه وخليله إبراهيم - عليه السلام - أن ينادي في الناس بالحج , وذلك نص القرآن . 

واختلفوا في كيفية النداء كيف وقعت على قولين : 

أحدهما : أنه أمر به في جملة شرائع الدين , الصلاة , والزكاة , والصيام , والحج , حسبما تمهدت به ملة الإسلام التي أسسها لسانه , وأوضحها ببيانه , وختمها مبلغة تامة بمحمد في زمانه . 

الثاني : أن الله أمره أن يرقى على أبي قبيس وينادي : أيها الناس , إن الله كتب عليكم الحج فحجوا , فلم تبق نفس إلا أبلغ الله نداء إبراهيم إليها , فمن لبى حينئذ حج , ومن سكت لم يكن له فيه نصيب , وربنا على ذلك مقتدر , فإن صح به الأثر استمر عقيدة واستقر , وإلا فالأول يكفي في المعنى

فضائل الحج في السنة - 1

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ".متفق عليه

في هذا الحديث بيان أن الحج يكفر جميع ذنوب الإنسان السابقة التي اقترفها في مدة حياته. 

وعن أبي هريرة أيضا قال: قال صلى الله عليه وسلم:" الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " متفق عليه. 

في هذا الحديث بيان لعظيم فضل الحج في الآخرة، و أنه إذا كان مبروراً كتبت الجنة لصاحبه. 

 

لاحظ أن الحديث الأول بيان من النبي صلى الله عليه وسلم بتكفير الحج للذنوب (في الدنيا)، وفي الحديث الثاني بيان منه صلى الله عليه وسلم لثواب الحج (في الآخرة) وهو الجنة, وكلاهما مغنم أخروي. 

 

فضائل الحج في السنة - 2

عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:  "تابعوا بين الحج والعمرة ؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة، الحج والعمرة"

 

عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:  قلت : "يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة. وفي لفظ لكن أفضل الجهاد حج مبرور"

حُجّ قبل أن تموت يهوديا

فرض الله الحج على المسلمين في قوله سُبَحانَهُ: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العَالمِينَ)  [آل عمران: 97]، وفي قَولَهُ تعالى: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ للهِ) [البقرة: 196].

وهو ركن من أركان الإسلام لا يقوم إلا به؛ قال -عليه الصلاةُ والسلامُ-: "بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ، وَصَومِ رَمَضَانِ".

ويجِبُ عَلَى المُسلِم المُبَادَرَةُ إِلى تَأدِيَةِ فَرِيضَةِ الحَجِّ مَتى كَان مُستَطِيعًا؛ لأَنَّهُ لا يَدرِي مَاذَا يحدُثُ لَهُ لَو أَخَّرَهُ، قَال –صلى الله عليه وسلم-: "تَعَجَّلُوا إِلى الحَجِّ -يَعني الفَرِيضَةَ-؛ فَإِنَّ أَحَدَكُم لا يَدرِي مَا يَعرِضُ لَهُ"، وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "مَن أَرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ قَد يَمرَضُ المَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعرِضُ الحَاجَةُ".

وَرُوِيَ في بَعضِ الأَحَادِيثِ وَحَسَّنَهَا بَعضُ العُلَمَاءِ أَنَّهُ -عليه الصلاةُ والسلامُ- قال: "مَن كَانَ ذَا يَسَارٍ فَمَاتَ وَلم يحُجَّ فَلْيَمُتْ إِن شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِن شَاءَ نَصرَانِيًّا"، وَقَالَ: "مَن مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلى بَيتِ اللهِ ولم يحُجَّ فَلا عَلَيهِ أَن يمُوتَ يَهُودِيًّا أَو نَصرَانِيًّا"، وَقَالَ: "مَن مَاتَ ولم يحُجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ في غَيرِ وَجَعٍ حَابِسٍ أَو حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ أَو سُلطَانٍ جَائِرٍ فَلْيَمُتْ أَيَّ المِيتَتَينِ شَاءَ: إِمَّا يَهُودِيًّا أَو نَصرَانِيًّا".

قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -رضي اللهُ عنه-: "لَقَد هَمَمْتُ أَن أَبعَثَ رِجَالاً إِلى هَذِهِ الأَمصَارِ، فَلْيَنظُرُوا كُلَّ مَن كَان لَهُ جِدَةٌ (غنى) ولم يحُجَّ فَيَضرِبُوا عَلَيهِمُ الجِزيَةَ، ما هُم بِمُسلِمِينَ، مَا هُم بِمُسلِمِينَ".

نفقة الحج أفضل نفقة

من فضل الحج أن النفقة فيه كالنفقة في الجهاد بل تفضلها؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ".

بل إن النفقة في الحج يعوضها الله لأنه كما ثبت ينفي الذنب والفقر قال -عليه الصلاةُ والسلامُ-: "تَابِعُوا بَينَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ، فَإِنهما يَنفِيَانِ الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيسَ لِلحَجَّةِ المَبرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ"

وهو من أفضل الأعمال لما رواه أبوهريرة رضي الله عنه قال: "سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ".

الحج يهدم ما كان قبله

عن أبي شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلا، وقال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، ابسط يمينك لأبايعك، فبسط يده، فقبضت يدي، فقال: "ما لك يا عمرو؟ " قال: أردت أن أشترط، قال: "تشترط  ماذا؟ " قال: أن يغفر لي، قال: "أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟"

ويصدّق ذلك الحديث الآخر الذي قال فيه النبي –صلى الله عليه وسلم-: "مَن حَجَّ هَذَا البَيتَ فَلَم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ رَجَعَ كَيَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ"

رفق النبي بأمته في فرض الحج

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ).

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَ�� فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ ).

 

 

فضل الطواف بالبيت العتيق

الطواف بالكعبة المشرفة من العبادات الجليلة ، وشعائر الإسلام الظاهرة ، وذكره الله في قوله : (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة: 125) ، وفي قوله أيضا: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" (سورة الحج: 26).

وقد ورد في فضل الطواف بالبيت أحاديث وآثار ، منها :

عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال عن استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا يَحُطُّ الْخَطَايَا ) .قال : وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا (أي سبعة أشواط)، يُحْصِيهِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ : كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ).

وعن ابن عمر أيضا : وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : (مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا : إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) . ولفظ الترمذي : (لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى : إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً ، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً). صححه الألباني في "صحيح الترمذي" .

الطواف بالكعبة صلاة

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ " .

وعَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّمَا الطَّوَافُ صَلَاةٌ ، فَإِذَا طُفْتُمْ ، فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ".

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ" .

فضل التلبية والهدي

عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه، وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا" رواه الترمذي وبن ماجة.

وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (جاءني جبريل ، فقال : يا محمد! مُرْ أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج ) رواه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم، وقال صحيح الإسناد.

و قال صلى الله عليه وسلم:" أفضل الحج العج والثج" رواه الترمذي وابن ماجة

والعج هو: رفع الصوت بالذكر، والثج هو: الدم أو الذبح.

وفي الحديثين دلالة على أن فضل الحج يكمن في أنه ينطوي على عبادتين عظيمتين؛ الأولى: ذكر الله مصداقا لما روته أمنا عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله". والعبادة الثانية: التقرب إلى الله بالهدي والأضاحي وإطعامها الفقراء.

ذكر الله في أيام الحج

قال تعالى: "واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون" (سورة البقرة -   203)

 يأمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافاً لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله).
ويدخل في ذكر الله فيها: ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق، كالعشر، وليس ببعيد.
قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} أي خرج من "منى" ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ} بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}؛ وهذا تخفيف من الله –تعالى- على عباده، في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخر أفضل، لأنه أكثر عبادة.

ومن الذكر في أيام التشريق : التكبير واختلفوا فيه فروي عن عمر وعبد الله بن عمر أنهما كانا يكبران بمنى تلك الأيام خلف الصلاة وفي المجلس وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتأولان هذه الآية . والتكبير أدبار الصلاة مشروع في هذه الأيام في حق الحاج وغير الحاج عند عامة العلماء واختلفوا في قدره فذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من آخر أيام التشريق 

 

يوم عرفات... دحر وغيظ للشيطان

عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (ما رئي الشيطان في يوم هو أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة ، و ما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة و تجاوز الله عز وجل عن الذنوب العظام ).

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ). وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة ، إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء) رواه مسلم.

الدعاء يوم عرفة

موقف عرفة من المواقف التي ينبغي للمسلم أن يعتني بالدعاء فيها بجد وإخلاص، فيدعو بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وبغيره، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وفي الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. والحديث حسنه الألباني.

قال في تحفة الأحوذي على سنن الترمذي عند شرح هذا الحديث: ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله لا إله إلا الله.. إلخ بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أي دعاء كان وقوله وخير ما قلت إشارة إلى ذكر غير الدعاء فلا حاجة إلى جعل ما قلت بمعنى ما دعوت ويمكن أن يكون هذا الذكر توطئة لتلك الأدعية لما يستحب من الثناء على الله قبل الدعاء.

ثلاثة أخطار عليك في ذنب غيرك

ورد في بعض الأحاديث: 

"الذنب شؤم على غير فاعله إن عيره ابتلي به وإن اغتابه أثم وإن رضي به شاركه"

"كنز العمال عن أنس"

حتى أنت لو لم تذنب، وغيرك أذنب، فأنت معرَّض إلى ثلاثة أخطار؛ خطر أن تعيِّره فتبتلى به، وخطر أن تذكره للناس فتكون قد اغتبته، وخطر أن تقره عليه فتكون شريكا له في الإثم.                                                                                        

لتلافي الخسارة

قال تعالى: "وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"

لتلافي الخسارة المحققة بمضي الزمن هناك أربعة أمور يمكن اعتبارها أركانا للنجاة:
إلا الذين آمنوا: طلبوا العلم الموصل للإيمان
وعملوا الصالحات: عملوا بما علموا
وتواصوا بالحق: دعوا إلى ما علموا وعملوا
وتواصوا بالصبر: صبروا على طلب العلم وعلى العمل به وعلى الدعوة إليه

عليكم أنفسكم

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"
لعل بعض الناس يفهمون هذه الآية على غير ما أراد الله . عليكم أنفسكم : اسم فعل أمر ، أي الزموا أنفسكم ، عرفوها بربها ، زكوها ، فقد أفلح من زكاها ، إن عرفتموها بربها ، وعرفتموها بمنهج ربها ، وحملتموها على طاعة ربها ، عندئذ لا يستطيع أن يضركم الضال.

وحدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم ، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي ، عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية؟ فقال : أية آية؟ قلت : قوله [ تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم "

دعاء النبي في سجوده

عن عائشة قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك

إذا كان هذا الاجتهاد في العبادة وطلب المغفرة من خاتم المرسلين، المحبوب عند رب العالمين، والمغفور له ما تقدم من ذنوبه وما تأخر... فما بالنا نلحق الذنب بالذنب ونغفل عن الطاعة تلو الطاعة ثم نرجو رضا الرحمن!!

مثل الصلوات الخمس

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) متفق عليه.

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف على أهمية الصلاة في حياة المسلم، حيث بيّن أنها الأساس في طهارته من الذنوب والآثام التي قد يقع فيها في حياته اليومية.


الصلوات الخمس رُتبت في الشريعة على مدار النهار والليل لتكون محطات وقود ومراجعة وتطهير وتكفير حتى تكون الحياة أبهج.

صاحب النبي في الهجرة

"إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ  وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا  وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (سورة التوبة – 40)

 

بحسب أبي بكر الصدّيق – رضي الله عنه – شرفا أن الله تعالى جعله صاحبا للنبي – صلى الله عليه وسلم – وبسبب هذه الصحبة المتينة للنبي صار أفضل الناس بعده وبعد الانبياء كما اتفق المسلمون على ذلك.

في حادثة الهجرة  النبوية دليل على مكانة أبي بكر الرفيعة عند الله وعند نبيه؛ ذلك أنه كان كلما استأذن النبي في الهجرة كباقي أصحابه يأمره النبي بالتريث، ويقول له: "لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً".

ولما أذن الله لنبيه بالهجرة، ذهب من فوره لصاحبه في وقت الظهيرة وهو وقت لم يعتد أن يزوره فيه ليبشره بأن الله أذن لهما بالهجرة وأن يكون هو صاحبه.

صاحب النبي في الهجرة يبكي من الفرح

تجلَّت حسن الصحبة في أبْهَى صُوَرِها مع أبي بكر الصدِّيق – رضي الله عنه -، الذي ذهب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّه هو المقصود بالْمُصدِّق في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ [الزمر: 33]، لَمَّا قال النبي - صلى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي أُريتُ دار هجرتكم ذات نَخْلٍ بين لابتين)) وهُما الحرتان؛، فتَجهَّز أبو بكر، فقال له النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم -: ((على رِسْلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤْذَن لي))، فقال أبوبكر: "وهل ترجو ذلك بأبِي أنت؟" قال: ((نعم))، فحَبَسَ أبو بكر نفْسَه على رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - لِيَصحبه، فانتظر أربعة أشهر يعلف راحلتَيْن كانتا عنده، حتَّى أذن الله بالهجرة، فلما أخبَره النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - لَم يُصدِّق أنْ يكون صاحِبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - حتَّى قال: "الصحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟" قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((نعم))، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "فوالله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفرح، حتَّى رأيتُ أبا بكر يبكي يومئذٍ".

أبوبكر وآله في خدمة الهجرة النبوية

"إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ  وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا  وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (سورة التوبة – 40)

كان  أبو بكر الصدّيق – رضي الله عنه – قد علف دابتين للهجرة رجاء أن يكون صاحب النبي – صلى الله عليه وسلم – في الهجرة، ولما أعلمه النبي اختار دليلا يسلك بهما أقرب الطرق، وتواعد مع النبي على أن ينطلقا في رحلتهما في الليلة التي اتفقت قريش أن تقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.

أبوبكر مع آله رتب كل شيء فجعل ابنه عبد الله بن أبي بكر عيناً على قريش يأتي بالليل يخبر النبي وهو في طريق الهجرة بما شاهد وسمع، وكانت ابنته أسماء تأتيهما بالطعام في كل ليلة من هذه الليالي، وأغنام لآل أبي بكر يأمر راعيها أن يأتي ويمشي خلف خطوات النبي وخطواته حتى لا يقصهما قُصاص الأقدام والأثر.

أنا أحق بموسى منكم

لما قدِم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني اسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه".

وأما العاشر من محرم المعروف بيوم عاشوراء فهو أفضل يوم في شهر المحرم، ويقع صيام يوم عاشوراء في منزلةٍ تلي منزلة صوم عرفة، ذلك أنَّ صيام يوم عرفة يكفِّر سنتين، أما صيام عاشوراء فيكفِّر سنة واحدة؛ قال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -: "...صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ".

فضل شهر الله المحرم

من حكمة الله تعالى في خلقه أن فضل الأزمان والشهور بعضها على بعض، قال تعالى: {وَرَ��ُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [القصص:68]، ومن حكمته تعالى أن اختص بعضها بمزيد حرمة وعناية فجعل بعضها أشد حرمة من غيره، فمن ذلك الأشهر الحرم فقد حذر الله عباده وجعل تعظيم شعائره تعالى من تقوى القلوب فقال: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، كما جعل تعظيم حرمات الله خيرًا للعباد عند ربهم. كما قال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج:30].
شهر الله المحرم له فضل عظيم، حتى عدَّه بعض السلف أفضل الأشهر الحرم.
قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: «وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن، قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه.

 

فضل صيام شهر الله المحرم

مما يدل على فضل شهر الله المحرم، أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان.
فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على فضل صيام شهر الله المحرم.
كما خَرّجَ النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي غ: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: «خير الليلِ جوفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ الله الذي تدعونهُ المحرَّم»، وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أفضل الأشهر، محمول على ما بعد رمضان».

 

أفضل العبادات في شهر أضافه النبي إلى ربه

قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: «وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله عز وجل تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمدًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته..
 
ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافًا إلى الله تعالى، فإنه له سبحانه من بين الأعمال؛ ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله، بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام، وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله ﻷ، إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرًا، فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرمه، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره.
شهرُ الحرام مباركٌ ميمونُ *** والصوم فيه مضاعفٌ مسنون
وثوابُ صائمهِ لوجه إلههِ *** في الخُلدِ عند مليكهِ مخزُونُ

 

من تاريخ يوم عاشوراء وفضله

من فضل شهر المحرم أن فيه يوم عاشوراء الذي حصل فيه نصر مبين لأهل الإيمان وأظهر الله فيه الحق على الباطل؛ حيث نجّى فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فهو يوم له فضيلة عظيمة.

جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّقَ فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، متفق عليه. كما جاء في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِضَ رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه».

قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء..."

 

حكم وفضل صيام يوم عاشوراء

صوم عاشوراء كان واجبًا في أول الأمر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لثبوت الأمر بصومه، كما في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من أسلم أن أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء». متفق عليه.

وأما فضل صيام هذا اليوم فهو تكفير ذنوب سنة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يُكفر السنة الماضية".
قال الإمام النووي: الأصح المختار أن صيام يوم عاشوراء يكفر كل ذنوب الصغائر وتقديره يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: «هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى.

وقد ندب النبي أمته لصيام التاسع مع العاشر من محرم فيستحب للمسلم أن يصوم اليوم التاسع (تاسوعاء) مع العاشر (عاشوراء) لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبلُ إن شاء الله صُمنا اليوم التاسع». 

كنز من كنوز الجنة

( لاحول ولاقوة إلا بالله ) ذكر جميل جليل ، قليل المبنى عظيم المعنى ، فيه من التوحيد والإجلال والتوقير لله سبحانه وتعالى ، و فيه من التوكل والاستعانة بالله سبحانه وبحمده ، هي كلمة من تحت العرش و غرس من غراس الجنة ، وباب من أبوابها وكنز من كنوزها .
إنها ( لاحول ولاقوة إلا بالله ) ، هذه الكلمة وذلك الذكر العظيم أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسة من أصحابه رضوان الله عليهم في أحاديث متفرقة من الاكثار من ( لاحول ولاقوة إلا بالله ) :
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فكنا إذا علونا كبرنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، ولكن تدعون سميعا بصيرا ) . ثم أتى علي وأنا أقول في نفسي : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال : ( يا عبد الله بن قيس ، قل : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنها كنز من كنوز الجنة ) . أو قال : ( ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ) رواه البخاري .
وعن حازم بن حرملة الأسلمي رضي الله عنه قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: ( يا حازم! أكْثر منْ قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنّها من كنوز الجنّة ) رواه ابن ماجة بسند صحيح . 

دعاء جالب للرزق دافع للضيق

قال تعالى: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِير" (هود:3)

ولذلك ذكر العلامة ابن القيم في كتابه "الوابل الصيب" في الفصل الثامن عشر : الاستغفار ، ضمن الأذكار الجالبة للرزق ، الدافعة للضيق والأذى.

يُرْوى عن لقمان - عليه السلام - أنه قال لابنه: "يا بُني، عوِّد لسانك: اللهمَّ اغفر لي؛ فإنَّ لله ساعات لا يردُّ فيها سائلاً".     

قال الحسن البصري - رحمه الله -: "أكْثِروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طُرقاتكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم؛ فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة".

((يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبِّتْ قَلْبـِي عَلَى دِينك))

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ:

((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟

قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ))رواه الترمذي

 

وعن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟

قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))

قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟

قَالَ: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ!))

فَتَلَا مُعَاذٌ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}رواه الترمذي

علاجان لضيق الصدر

قال الله تعالى: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" (سورة الحِجر 97 – 99)

في الآية وصفة علاجية لكل من ضاق صدره، تتضمن دوائين شافيين إذا حضر يقين القلب معهما؛ أولهما التسبيح، ولا عجب فتسبيح الله ينطوي على حط الخطايا التي تثقل الكاهل ويضيق بها الصدر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال سبحان الله وبحمده 100 مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". وفي التسبيح الذي هو تقديس لله وتنزيه له عن كل نقص وإضفاء كل كمال له يكون سببا في محبة الرحمن؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم .'

والعلاج الثاني هو الصلاة وعبّرت عنه الآية بالسجود ولا عجب أن تكون الصلاة سببا لذهاب ضيق الصدر ففي الصلاة يتصل العبد الضعيف الفقير بربه القدير فيستمد منه القوة والقدرة. وفي السجود اقتراب من الله فأقرب ما يكون العبد ربه وهو ساجد كما ورد في الحديث ومصداقا لقول الله تبارك وتعالى: "كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ" (سورة العلق – 19).  وكأن القرب من الله يكون بالسجود فاسجُد لتكون قريبا.

صفة ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم

عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: (ما حجبني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلا تبسمَ في وجهي) رواه مسلم .

قال عبد الله بن الحارث ـ رضي الله عنه ـ: ( ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ) رواه الترمذي وصححه الألباني .

تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان ضحاكًا بسّامًا ) .

 

كان نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر الناس تبسُّمًا، وطلاقة وجهٍ في لقاء من يلقاه، وكانت البسمة إحدى صفاته التي تحلّى بها، حتى صارت عنواناً له وعلامةً عليه، وكان لا يُفَرِّق في حُسْن لقائه وبشاشته بين الغنيّ والفقير، والأسود والأبيض، حتى الأطفال كان يبتسم في وجوههم ويُحسِن لقاءهم

خير الأعمال وأزكاها

أمرنا الله عز وجل في كتابه بالإكثار من ذكره فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الأحزاب:41-42)، وأخبرنا سبحانه أن ذِكْرَه سبب لطمأنينة القلوب، فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد:28).

وبين لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فضل ذكر الله تعالى فقال: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورِق(الفضة)، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟، قال: ذكر الله) رواه ابن ماجه وصححه الألباني. 

 

تقرير يومي لله تبارك وتعالى

قل صلى الله عليه وسلم: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم (وهم) يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".

قال صلى الله عليه و سلم: "من صلى البردين دخل الجنة" والبردين هما الفجر والعصر

وقال أيضا  صلى الله عليه و سلم: "لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"

بعد كل هذا الفضائل... كيف تفرّط يا مسلم بهاتين الصلاتين وغيرهما من الصلوات المكتوبة!!

اعلم أن صلاة الفجر أول امتحان يخوضه كلٌّ مِنَّا صباح كل يوم، لينجح فيه من وثب من فراشه صافًا قدميه بين المصلين.

وصلاة الظهر امتحان لمن ترك مشاغل الدنيا وصلى بين يدي ربه في شدة القيظ، وصلاة العصر امتحان لمن ترك النوم والدعة ونصب قدميه بين يدي ربه، وصلاتي المغرب والعشاء امتحان لمن ترك لذة السمر مع الأهل والأصحاب ووقف بين يدي الله.

 

لماذا يبتلي الله من يحبهم؟!

عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة".

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط".

الإبتلاء نوعان : إبتلاء لردع وإبتلاء لرفع فإذا كان العبد عاصيا لاهيا في دنياه غافلا عن ربه فقد ابتلاه لردعه عن الذنوب والمعاصي وتذكيره بربه تعالى.

وإذا كان العبد المبتلى مؤمنا طائعا لربه فقد ابتلاه لتنقيته من الذنوب ورفع منزلته فكلا الإبتلاءين من حب الله تعالى لعبده ورحمته به ولطفه ولو اطلعنا على الغيب لاخترنا ما اختاره أرحم الراحمين لنا.

صلاة الله وملائكته على العبد

قال تعالى: "هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا" (سورة الأحزاب ٤٣)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا" وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله: "من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين مرة".

يحصل من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة على فضل عظيم، وهو أن الله تعالى ينعم على هذا العبد بأن يعطيه عشر أضعاف ما فعل، مع اختلاف عظيم ألا وهو أن ذكر الله لعبده أعظم وأجل من ذكر العبد للنبي صلى الله عليه وسلم.

والصلاة من الله هي المغفرة والعفو، والصلاة من الله هي الرحمة. ومعنى أن الله تعالى يصلي على العبد أنه يثني عليه ويمدحه، ويشرّفه في الدنيا وفي الآخرة. وأما الصلاة من الملائكة فهي الدعاء والاستغفار للمؤمنين.

أمر بدأ الله فيه بنفسه وثنى بالملائكة المسبحة بقدسه

قال الله سبحانه وتعالى: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (سورة الأحزاب:56)

المسلم ينقاد لأمر الله بالآية الكريمة بالصلاة والسلام على إمام المتقين صلى الله عليه وسلم.

 ويستفاد من الآية الكريمة أن العبد حين يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوافق في ذلك رب العزة سبحانه وتعالى الذي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مع اليقين أن الصلاتين مختلفتان؛ فصلاة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ثناء وتشريف، أما صلاتنا فهي دعاء وسؤال إلى الله تعالى أن يعلي قدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويعظم من شأنه.

ويستفاد أيضا منها التخلق بخلق الملائكة الكرام الذين يصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

دعوة نبوية جامعة مانعة

كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ".

وهو دعاء جامع للخير، مانع للشر وسر ذلك في معناه؛ فقوله: (من زوال نعمتك): النعمة: كل ملائم تحمد عاقبته، أي النعم الظاهرة والباطنة.

وقوله: (تحوّل عافيتك): أي تبدل العافية بضدها من عافية إلى مرض وبلاء. والتحوّل: إبدال الشيء بالشيء كإبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر.

 

وقوله: (فجاءة نقمتك): الفجأة: البغتة، والنقمة: العقوبة.

وقوله: (وجميع سخطك): استعاذة من النبي صلى الله عليه وسلم من سائر سخط الله وما يجلب غضبه وعقابه، والسخط الكراهية للشيء، وعدم الرضا به.

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [النور:35].
قولـه "مثل نوره" أي مثل هداه في قلب المؤمن أو مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة... فشبه قلب المؤمن بالقنديل من الزجاج الشفاف، وما يستمد به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف.
قال ابن القيم: وهذا هو النور الذي أودعه الله في قلب عبده من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل وثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق منكرًا، فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه".

 

هل نحن أشد حبا لله

قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداًيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ...) (سورة البقرة : 165)

وقفة عند قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ…) أي أشد حبا لله من محبة أهل الأهواء لأهوائهم ومعبوداتهم.. وعلى ضوء هذا.. تعالوا نقيس حرارة حبنا لله جل جلاله.

أننا نرى أصحاب الأهواء يضحون من أجل أهوائهم بأوقاتهم وأموالهم ولا يبالون بسخرية الساخرين منهم، ولا يكترثون بلومة لائم بل هم يبكون إن نأت أهواؤهم شوقا إليها!!

فهل محبتنا لله تعالى تصل بنا إلى هذه الحرارة التي تجعلنا في حالة قلق طلبا لرضا الله !؟

نرى أحوالنا فنعرف أن محبتنا لله لا تصل إلى نصف محبة أهل الأهواء لأهوائهم !! بل لو تأملنا جيدا ..فسنرى أننا نعطي الله سبحانه فضلة أوقاتنا !! ..ولا نكاد نذكره على الوجه المطلوب إلا قليلا !! ..أما قلوبنا فقد تعلقت بأشياء كثيرة ..نجد عند التمحيص أن التعلق بالله في آخر القائمة الطويلة !!!

لماذا يجب أن نتفاءل؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة" والطيرة هي التطير.

وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله على كل حال.

ومن الفأل الحسن ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله في حياته كلها، فكان صلى الله عليه وسلم يحب الأسماء الحسنة، ويعجبه التيمن في شأنه كله؛ لأن أصحاب اليمين أهل الجنة.

وهذا من باب حسن الظن بالله تعالى المأمور به شرعاً، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي. وفي رواية: فليظن بي ما شاء.

والتفاؤل نور في الظلمات، ومخرج من الأزمات والكربات، وهو سلوك نفسي حث عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله وفعله، وهو مقرون بالإيمان بالله ـ عز وجل ـ، ومعرفته بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.

أحاديث في فضل قراءة الكهف

عن أبي سعيد الخدري قال : "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق"

رواه الدارمي وصححه الألباني.

 

وفي رواية: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين"

رواه الحاكم والبيهقي، قال ابن حجر: حديث حسن.

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة ، وغفر له ما بين   الجمعتين".

 

قال المنذري: رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد لا بأس به .

مغفرة الله ورحمته أوسع

في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء" 
إن ذنوب العباد وإن عظمت، فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته.
وعن جابر ان رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: واذنباه! مرتين أو ثلاثا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي".

كيف تطيع الله

قال تعالى: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا" (سورة النساء : 80)
اعلم الله تعالى أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعةٌ له.
قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول: إن قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله

عاقبة الشكر

قال تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"

لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ولئن كفرتم النعم وجحدتموها (إن عذابي لشديد) وذلك بسلبها عنكم.

وقد جاء في الحديث : " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " .

روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها قال : وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله! تمرة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للجارية: "اذهبي إلى أم سلمة، فأعطيه الأربعين درهما التي عندها".

معادلة النصر

قال تعالى: "فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (سورة محمد  4-7).

هذه الآيات تحمل بين طياتها البلسم الشافي والرد الكافي لما تمر به الأمة من ضعف وهوان وتكالب أعداءها عليها وتخلف النصر عنها، هذا الترياق الشافي الكافي في قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

فالله عز وجل قادر على اجتثاث الأعداء بقوله كن فيكون, بقدرته التي لا يعجزها شيء, ولكن علينا أن ننصره سبحانه حتى نستحق النصر وذلك بالإيمان به وحده لا شريك له بإخلاص التوحيد له، وإفراد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالاتباع ونصر شريعته.

استعن بالله ولا تعجز

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان"

المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة ، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد ، وأسرع خروجا إليه ، وذهابا في طلبه ، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر على الأذى في كل ذلك ، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى ، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات ، وأنشط طلبا لها ، ومحافظة عليها ، ونحو ذلك . 


قوله صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) ، معناه احرص على طاعة الله تعالى ، والرغبة فيما عنده ، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ، ولا تعجز ، ولا تكسل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة . 

ثمرات المحافظة على ذكر الله

قال الله تعالى: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.{الرعد:28}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم. الحديث رواه مسلم وغيره.

 

إن في المحافظة على ذكر الله تعالى خيرا كثيرا في هذه الحياة وأجرا عظيما في الآخرة، وأذكار أحوال اليوم والليلة الواردة عن النبي – صلى الله عليه وسلم - مثل الخروج من المنزل والدخول إليه وركوب السيارة ودخول بيت الخلاء وغيرها من الأحوال وكذلك أذكار الصباح والمساء من أهم الأذكار التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها فمن فوائدها انشراح الصدر وطمأنينة القلب ومعية الله تعالى وذكره للعبد في الملأ الأعلى. والمسلم يحرص كذلك على ملازمة ذكر الله المطلق من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير واستغفار وصلاة على خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

الكلمة الطيبة هي أفضل الذكر

قال الله - تبارك وتعالى -: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء" (سورة إبراهيم  24). قال العلامة ابن سعدي - رحمه الله - في تفسير الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله وفروعها، {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وهي النخلة.

إن كلمة التوحيد من أفضل أنواع الذكر لله - تبارك وتعالى - لحديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)).

عن أبي هريرة رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك))

قال العلامة ابن رجب - رحمه الله تبارك وتعالى -: "فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب، وتمحوها محواً، ولا تبقي ذنباً، ولا يسبقها عمل، وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار"

كيف ينصلح الحال؟؟

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : (ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به ، أو تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) (رواه النسائي وغيره من أصحاب السنن)

هذا الدعاء من أعظم الأدعية التي تتضمن تحقيق العبودية لله رب العالمين ، وتتضمن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فهو سبحانه الحي القيوم ، الرحمن الرحيم ، والعبد يستمد العون والتأييد من قيوميته عز وجل ، كما يستغيث برحمته التي وسعت كل شيء ، لعله ينال منها ما يسعده في دنياه وآخرته .

ثم يسأل الله تعالى صلاح الأمور والأحوال ، فيقول : ( أصلح لي شأني كله ) أي : جميع أمري : في بيتي ، وأهلي ، وجيراني ، وأصحابي ، وعملي ، ودراستي ، وفي نفسي ، وقلبي ، وصحتي...في كل شيء يتعلق بي ، اجعل يا رب الصلاح والعافية حظي ونصيبي .

وذلك كله من فضل الله سبحانه وتعالى ، وليس باستحقاق العبد ولا بجاهه ، ولذلك جاء ختم الدعاء بالاعتراف بالفقر التام إليه سبحانه ، والاستسلام الكامل لغناه عز وجل ، فيقول : ( ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) : أي لا تتركني لضعفي وعجزي لحظة واحدة ، بل أصحبني العافية دائما ، وأعني بقوتك وقدرتك ، فإن من توكل على الله كفاه ، ومن استعان بالله أعانه ، والعبد لا غنى به عن الله طرفة عين .

ساعة الإجابة يوم الجمعة

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ" (رواه الشيخان)

يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله - : الله جل وعلا جعل في الجمعة ساعة يقبل فيها الدعاء، وهي ساعة قليلة لا يوافقها المسلم وهو قائم يصلي إلا أعطاه الله سؤاله، فهي ساعة عظيمة قليلة، جاء في بعض الروايات عند مسلم أنها حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى مرفوعاً....

وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن سلام أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وجاء في بعض الأحاديث أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وكلها صحيحة لا تنافي بينها، فأحراها وأرجاها ما بين الجلوس على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، هذه الأوقات هي الأرجى لساعة الإجابة، وبقية الأوقات في يوم الجمعة كلها ترجى فيها إجابة الدعاء لعموم بعض الأحاديث الواردة في ذلك.

لماذا نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (سورة الأحزاب : 56)

قال ابن كثير رحمه الله: "المقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه تصلي عليه الملائكة ثم أمر الله تعالى العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً".

قال ابن القيم رحمه:"والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله فصلوا عليه أنتم أيضاً، صلوا عليه وسلموا تسليماً لما نالكم ببركة رسالته ويمن سفارته، من خير شرف الدنيا والآخرة".

أول ما يحاسب عليه العبد

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ ) ، وصححه الألباني في " صحيح سنن الترمذي " .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة الصلاة ، وهذا بالنسبة لحق الله عز وجل ، فإن صلحت فقد أفلح ونجح وإلا فعلى العكس خاب وخسر والعياذ بالله . أما بالنسبة لحقوق الآدميين : فأول ما يقضى بين الناس في الدماء ؛ لأنها أعظم الحقوق

 

 

دواء ناجع لدوام شكر الله

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" (رواه مسلم)

 

أرشد الحديث إلى دواء يقود لشكر العبد لربه في سائر الأحوال، وهو أن يلحظ العبد في كل وقت من هو دونه في العقل والنسب والمال وأصناف النعم ، فمتى استدام هذا النظر اضطره إلى كثرة شكر ربه والثناء عليه ، فإنه لا يزال يرى خلقاً كثيراً دونه بدرجات في هذه الأوصاف، ويتمنى كثير منهم أن يصل إلى قريب مما أوتيه من عافية ومال ورزق، وخَلْق وخُلُق، فيحمد الله على ذلك حمداً كثيراً، ويقول: الحمد لله الذي أنعم عليَّ وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً.

ينظر إلى خلق كثير ممن سلبوا عقولهم، فيحمد ربه على كمال العقل، ويشاهد عالماً كثيراً ليس لهم قوت مدخر، ولا مساكن يأوون إليها، وهو مطمئن في مسكنه، موسع عليه رزقه.

ويرى خلقاً كثيراً قد ابتُلُوا بأنواع الأمراض، وأصناف الأسقام وهو مُعافى من ذلك ، ويشاهد خلقاً كثيراً قد ابتُلوا ببلاء أفظع من ذلك، بانحراف الدين، والوقوع في قاذورات المعاصي. والله قد حفظه منها أو من كثير منه ،ويتأمل أناساً كثيرين قد استولى عليهم الهم، وملكهم الحزن والوساوس، وضيق الصدر، ثم ينظر إلى عافيته من هذا الداء، ومنة الله عليه براحة القلب.

ثم من ابتلي بشيء من هذه الأمور يجد عالماً كثيراً أعظم منه وأشد مصيبة، فيحمد الله على وجود العافية وعلى تخفيف البلاء، فإنه ما من مكروه إلا ويوجد مكروه أعظم منه.

صدقات مجانية

قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة" (رواه الترمذي).

أي أن إظهار البشاشة، والبِشْر إذا لقيت بها مسلم فإنك تؤجر عليها كما تؤجر على الصدقة.

قال ابن بطَّال: "فيه أنَّ لقاء النَّاس بالتَّبسُّم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النُّبوة، وهو مناف للتكبُّر، وجالب للمودَّة"

إن تبسم عمل بسيط ويسير، غير مكلف ولا مجهد، ولكن له الأثر الكبير في نشر الألفة والمحبة بين الناس، وهو في سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المعروف الذي يؤدي إلى مرضاة الله ـ عز وجل ـ، فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "كلُّ معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق" رواه الترمذي .

فضل الوضوء

قال الله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (سورة البقرة : 222)

قال صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره) رواه مسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أمتي يُدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر  الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) متفق عليه.

كيف تؤدي شكر يومك؟

قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "من قال إذا أصبح: اللهم إني أصبحت منك في نعمة، وعافية، وستر، فأتِمَّ نعمتَك عليَّ، وعافيتك، وستْرَك في الدنيا والآخرة. ثلاث مرات إذا أصبح وإذا أمسى، كان حقّاً على اللّه أن يُتمَّ عليه"

 

وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: "من قال حين يُصبح: اللهم ما أَصْبَح بي من نعمة أو بأحدٍ مِنْ خلقك؛ فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد، ولك الشكر؛ إلا أدى شُكْر ذلك اليوم"

سيد الإستغفار

عن شداد بن أوس ‏‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏سيد ‏‏الاستغفار أن تقول: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"

قال ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة  .رواه البخاري

اشتمل هذا الحديث من المعارف الجليلة ما استحق لأجلها أن يكون سيّد الاستغفار ، فإنه يبدأ باعتراف العبد بربوبية الله ، ثم ثناها بتوحيد الإلهية بقوله: (لا إله إلا أنت). ثم ذكر اعترافه بأن الله هو الذي خلقه وأوجده ولم يكن شيئا، فهو حقيق بأن يتولى تمام الإحسان إليه بمغفرة ذنوبه، كما ابتدأ الإحسان إليه بخلقه. ثم قال : (وأنا عبدك)، اعترف لله بالعبودية ، فإن الله تعالى خلق ابن آدم لنفسه ولعبادته. ثم اعترف بتقصيره في هذه العبادة بقوله (ما استطعت): أي إنما أقوم بذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي لك وتستحقه علي.

ثم تذكر سوء أعماله وشر صنيعه ووجد أنه لا مفر من هذا الشر إلا إلى رحاب الله بقوله (أعوذ بك من شر ما صنعت)، وأعقب ذلك بذكر صنيع الله فيه وإسباغه نعمه على عباده رغم تقصيرهم وشرورهم فقال (أبوء لك بنعمتك عليّ) وأقر في الختام بذنبه وأثنى على الله بأنه كثير المغفرة والرحمة ومتفضل على عباده بأن يغفر.

عطاء حمد الله وشكره

قال تعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" (سورة إبراهيم : 7)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ" [سنن ابن ماجة]

مادمت تقول: الحمد لله وقلبك وراء لسانك والقلب ممتلئ شكراً لله كان الذي أعطى أفضل مما أخذ، كيف؟ الإنسان يتقدم بالسن فتضعف قواه أحياناً، وذاكرته، وأجهزته، ينحني ظهره، ويضعف بصره، لكن الله يعطيه دائماً أفضل بكثير مما أخذه منه، حتى إذا جاء أجله يعطيه الجنة، الحمد يعني أنك في ربح دائم مع الله، فإذا اقتضى العمر أن تتراجع الصحة قليلاً لكنك بالحمد تكسب أشياء لا يعلمها إلا الله.

ومن معانيها أن قولك بإخلاص (الحمد لله) يملأ الميزان فهو أفضل من المال والصحة لأن شكرك وحمد لتلك النعم لا يزول مع إن النعم تزول بالكبر والموت.

من أحكام خطبة وصلاة الجمعة

"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" (سورة الجمعة : 9)

يا أيها الذين صدقوا الله واتبعوا رسوله، إذا نادى المؤذن للصلاة في يوم الجمعة، فامضوا إلى سماع الخطبة وأداء الصلاة، واتركوا البيع والشراء وجميع ما يشغلكم عن الخطبة والصلاة، ذلك الذي أمرتم به خير لكم، لما فيه من غفران ذنوبكم ومثوبة الله لكم، إن كنتم تعلمون مصالح أنفسكم فافعلوا ذلك وفي الآية دليل على وجوب حضور الجمعة واستماع الخطبة.

وفي الآيات وجوب ترك البيع والمعاملات وقت النداء للصلاة ووقت الخطبة وصلاة الجمعة لان ترك البيع والشراء معلل بالسعي لذكر الله سبحانه وذكر الله يكون بالنداء وبالخطبة وبالصلاة، ويبين ذلك أن الله جعل مدة النهي تنتهي بانقضاء الصلاة.

وجمهور الفقهاء على أن البيع وقت النداء محرم ويأثم البائع والمشتري.

وصفة للسعادة

إن وصفة السعادة والرضا بالأقدار يمكن أن يعيشها العبد في ظلال ثلاث آيات مباركات:

﴿لا تدري لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرا﴾ (سورة الطلاق : 1)

(سيجعل الله بعد عسر يسراً) (سورة الطلاق : 7)

(فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا) (سورة الشرح : 5-6)

 

إذا مررت بحزن فلا تحبسنّك اللحظة الراهنة وثق بالله الذي يقلّب الأيام والأقدار وأن أقداره متحركة؛ واقرأ بقلبك قوله تعالى: ﴿لا تدري لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرا﴾. وقف على ما ينطوي عليه حرف (سين الإستقبال) من أمل في قوله تعالى: (سيجعل الله بعد عسر يسراً). واجعل يقينك بوعد الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم – عندما فهم قول ربه (فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا) فقال عنه: "لا يغلب عسرٌ يسران"  وكن على قناعة راسخ�� عن العبد الواثق بالله فلا يحبس نفسه في اللحظة الراهنة سواء كانت جوعاً أو مرضا أو كربة أو هماً ويعلم أن الله لا يقدّر لعبده إلا خيرا وأن الخير والنصر قادم بإذن الله.

ادفع بالتي هي أحسن

قال تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (سورة فصلت : 34)

لا بد للإنسان في هذه الحياة أن يخالط الناس، فحوله الجيران والأقارب، والمعارف وسائر أفراد المجتمع على مختلف بيئاتهم وثقافاتهم وشرائحهم. وبحكم هذه المخالطة مع أنواع مختلفة وأنماط متباينة فإنه لا بد وأن يصدر من بعض الناس شيء من الإساءة يقل أو يكثر ، بقصد أو بغير قصد ، فلو تخيلنا أن كل إساءة ستُقابَل بمثلها لتحولت المجتمعات إلى ما يشبه الغابات، ولتخلى الناس عن خصال الخير، ولغدوا بلا ضوابط ولا روابط.
وحتى لا يتحول مجتمع المسلمين إلى ما يشبه هذه الصورة المنفرة فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية وغيرها من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة  بأن يدفعوا السيئة بالحسنة، وأن يتجاوزا ويصفحوا ويعفوا، وأطمعهم بالثواب الجزيل لمن كظم غيظه وعفا عن أخيه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره من الحور العين ما شاء".
ولا شك أن الخصلة التي هي أحسن من رد السيئة بمثلها إنما هي العفو والإحسان، أو الإعراض وكف الأخذ والرد في موضوع الإساءة.
إن سحر الخلق الفاضل ليفوق في كثير من الأحيان قوة العضلات وسطوة الانتقام، فإذا بالخصم ينقلب خلقا آخر: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).

الصلاة واعظة وزاجرة

قال تعالى: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" (سورة العنكبوت : 45)

" الصلاة تشتمل على مذكرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى ؛ إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله.
ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجه إليه بالدعاء والاستغفار ، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال ، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله ، والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه ، فذلك صد عن الفحشاء والمنكر .

والصلاة تعوّد المؤمن مراقبة الله وخشيته، فهو يقف بين يدي الله يناجيه ويثني عليه بما هو أهله، خائفا عقابه، طامعًا في رحمته، طالبا منه العون والهداية، فيؤثر ذلك في نفسه ويعوّده على مراقبة الله وخشيته فيجتنب ما يغضب الله.

ما الذي يملأ الميزان؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها" (رواه مسلم).

يبيّن الحديث الشريف عظيم الأجر المترتب على حمد الله وتسبيحه وهي كلمات يسيرة لكنها عظيمة في ميزان الله، فالحمد لله تملأ الميزان يوم القيامة ؛ وذلك لما اشتملت عليه من الثناء على الله سبحانه وتعالى والتبجيل له ؛ لذلك يستحب للعبد إذا دعا أن يقدم بين يديه الثناء الجميل، مما يكون أدعى لقبول دعائه، ثم إن الحمد والتسبيح يملآن ما بين السماء والأرض - بنص الحديث - ؛ والسرّ في ذلك : ما اجتمع فيهما من التنزيه لله تعالى، والثناء عليه، وما يقتضيه ذلك من الافتقار إلى الله؛ وهذا ما جعل هاتين الكلمتين حبيبتين إلى الرحمن، كما جاء في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (متفق عليه).

 

اليأس والكفر صنوان

قال تعالى: "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (سورة يوسف : 87)

هذه الآية الكريمة وصية على لسان يعقوب عليه السلام، بعد أن فقد ابنه يوسف أربعين سنة، ثم فقد ابنه الآخر، ومع هذا لم يخالج قلبه يأس ولا قنوط، فأرسلها في أبنائه رسالة خالدة أن لا يأس مع الإيمان، وإنما اليأس سمة الكافرين.

قال الرازي وهو يبيِّن علاقة الكفر باليأس: "واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا .. اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم، بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر، ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا"

هَبْ أن أسبابك انقطعت، ولم يبق لديك منها شيء، وبذلت قصارى جهدك في تحصيل مطلوبك، ثم لم تبلغ مرادك.. فهل تعلم أن لك ربا قديرا يخرق الأسباب، ويجبر كسر المؤمنين، ويسد خلل المتوكلين، فكيف يتسرَّب بعدها اليأس إلى قلبك؟!

كيف تجعل الجنة تدعو لك؟!

عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار" .

فيستحب للمؤمن أن يكثر من سؤال الله الجنة ، والاستجارة من النار ، من غير أن يقيد ذلك بشيء من لا صلوات ، ولا بوقت من الأوقات .
ويستحب الإلحاح والتكرار في الدعاء وذلك في الطريق والسوق والمجالس وأن يدعو المسلم ربه في سائر أحواله قائما وقاعدا ومنفردا وبين الناس لما في ذلك من تذكير للناس بالله تعالى وبالجنة والنار.

وصفة لمن يريد الحفظ والوقاية!!

"فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ" (سورة غافر : 44-45)

في الآية دليل واضح على أن التوكل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه سبب للحفظ والوقاية من كل سوء، وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، كقولهم: سها فسجد، أي: سجد لعلة سهوه. فكأن الوقاية من سوء ومكر الأعداء إنما تكون بالتفويض لله والتوكل عليه.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من كون التوكل على الله سببا للحفظ  والوقاية من السوء هو نظير قوله تعالى: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه". وقوله تعالى في حق النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لما خوفهم الناس مما جمعت قريش لهم في الحرب: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء".