blog page

مذكرات آدم

متى نصر الله؟؟!!

عدد المشاهدات 2177

سألتي خالة لي بعد أن شاهدنا نشرة أخبار مغمسة بدماء المسلمين الذي يُقتلون في أرض فلسطين والشام والعراق واليمن، ويحرقون في أراكان بميانمار ويهاجر الفارين من جحيم الحرب ليغرقوا في البحر المتوسط ويقف الناجين منهم بمذلة يطرقون أبواب جنوب أوروبا. سألتني بعد كل تلك المرارات بغيظ مكتوم ونفس يائسة فقالت: متى يقتص الله العادل لهؤلاء المظلومين؟ وإذا كان الله لا يحب الفاسدين والمفسدين فلماذا هم أسياد الأرض والمتحكمين بمقاليد الأمور؟
قلت: استغفري الله يا خالة فإن ربك ليس بظلام للعبيد وما كان ربك نسيّا؟
قالت: ولكني عشت منذ الثلاثينات وشهدت كل هزائم المسلمين بدءا بقيام الكيان الصهيوني عام 1948 الذي قام على نكبة الفلسطينيين وتشريدهم في الأرض وشهدت هزيمة 1967 واحتلال العراق وتدميرها الذي لا يزال مستمرا. وها نحن نشهد سوريا في طريق الخراب... فمتى نصر الله..
قلت وأنا أحاول تبسيط الأمر للخالة وأنقله هنا بعد إعادة صياغته بطريقة أفضل للمقالة:
إن هذه التساؤلات مغلوطة ونابعة من جهل بقدر الله – تبارك وتعالى – وجهل بسننه وقوانينه التي لا تتبدل ولا تتغير ولا يحابي بها أحدا، الجواب على ذلك في نقطتين:

النقطة الأولى:
لانشك لحظة بأن الله قادر على أن يجعل الناس كلهم مؤمنين وأنه قادر على محو الكافرين وأنه قادر على فعل ذلك دون أن يرسل الرسل وينزل الكتب ودون أن يخوض أهل الحق معركة واحدة مع أهل الباطل.
ففي الأقوام السابقة والأمم الغابرة كان الله يرسل الرسول تلو الرسول لهداية الناس وإنذارهم من الشرك والكفر ويدعوهم لمنهج الله فكان يُواجه بالاستهزاء والتكذيب رغم إظهار المعجزات الواضحات التي تؤيد أنه رسول من الله، وكان الرسول ينذر قومه ويتوعدهم بعذاب من الله إن أصروا على الكفر، وكان الله يمهل الظالمين طويلا وبعد كل ذلك تحلّ عليهم عقوبة السماء على شكل خسف أو إهلاك بالإغراق والريح والزلزال وغيره ذلك لاستئصال أهل الباطل واستخلاف أهل الحق. ذلك كان منهج الله فيمن قبلنا. أما وأن الله جعل نبينا – صلى الله عليه وسلم – هو خاتم الرسل وأمته آخر الأمم وأقربها لقيام الساعة فكان أن وضع بحكمته منهجا للتغيير والإصلاح في كتابه الخالد وسنة نبيه، واستبدل تدخل السماء في إهلاك الكافرين وإقامة الحق في الأرض بسنة تدافع أهل الحق مع أهل الباطل وجهادهم بأيدي هذه الأمة وليس بعقوبات قدرية قال تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم". ذلك ما سطرّه الله تعالى وقدّره على هذه الأمة التي فضّلها على الأمم كما فضل رسولها على الرسل، فضّلها بالعمل الدؤوب والجهاد والشهادة على الناس بدعوتهم للحق وإقامة الحق والعدل في الأرض؛ يقول تعالى في خواتيم سورة الحج: "ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير".

إن حق الجهاد هو إقامة الدين في النفوس وفي الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل في الأرض، وهي مهمة عظيمة تحتاج أن يكون المسلمون مسلمون لله تعالى على وجه الحقيقة بالأفعال وليس بالأقوال وأهم علامتها إقامتهم لشهادة التوحيد في حياتهم بالتوحيد الخالص لربهم والاتباع الصادق لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

لقد شرّف الله المسلم والمسلمة بأن يكونوا أدواته في معركة التدافع مع الباطل التي تصلح بها الأرض: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)
فالمسلمون الآن في كل مكان يحبون دينهم لكنهم غير ملتزمين به فليسو أهلا للنصر... إنها قاعدة لا تتخلف (إن تنصروا الله ينصركم) فالآن المسلمون مظلومون ومضطهدون ومع أن عدوهم كافر وظالم إلا أنه مسل�� عليهم لأنهم غير ملتزمين بمنهج ربهم؛ ذلك أمر شديد الوضوح لكل أحد فالمسلمون يحملون عاطفة تجاه دينهم لكنها بدون عمل وبدون اجتماع على راية واحدة، يقدمون رايات الأوطان والأحزاب على راية التوحيد، ويقدمون العادات على سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون الدنيا ويذرون الآخرة، ولا يجتنبون ما نهى الله عنه، وغير مستعدين لدفع ثمن الآخرة بالإلتزام بما أمر الله والانتهاء عما نهى عنه، شاعت فيهم المنكرات والربا وأكل الحقوق والظلم والسكوت على الظالمين بل نفاقهم ومداهنتم وظهرت الفواحش ظاهرها وباطنها كالتبرج والسفور والزنا، فهل كل ذلك يقع منهم وينصرهم الله بعدها كيف وهم لم ينصروا دينه؟!! إنها مقدمة ونتيجة (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم). إن الله لا يحابي أحدا من عباده فحتى الأنبياء خاطبهم الله وعلى رأسهم خاتمهم وسيدهم وأحبهم إلى الله فقال: "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين" إنها قوانين إلهية لا مداهنة فيها لأحد فلو وقع نبي مرسل أو مَلَكٌ مقرب في رد أمر الله والاستنكاف عن عبادته وطاعته لعذبهما عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين.

النقطة الثانية:
أما الأمر الثاني فإن من يظن أن دنياه يمكن أن تمضي دون امتحان وتمحيص وابتلاء فهو واهم لأن الله عندما أخرج أبونا آدم وزوجه – عليهما السلام – من الجنة فإنه قدّر له ولذريته مكابدة الحياة بابتلاءاتها ومنغصاتها وآلامها والتي يأتي على رأسها عدوهم إبليس، وامتحن ذريته باتباع منهج الله في الحياة وأخبرهم أنه سيحاسبهم على الإلتزام بذلك المنهج في الآخرة؛ قال تعالى: "قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"
فالدنيا دار عمل وابتلاء وامتحان وليست دار ثواب وجزاء. وإذا كان الإيمان دعوة باللسان فإن كل أحد بوسعه أن يفعل ذلك لكن إدعاء الإيمان باللسان يجب أن يتبعه عمل دؤوب من العبد، ويتبعه امتحان وتمحيص من الرب حتى يتبين صدق الإيمان من كذبه قال تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون". ويترتب على هذا الأمر أنه يجب على اللبيب أن يتوقع الأكدار ما دام في هذه الدار. وأن الدنيا دار عمل وامتحان، والجنة فقط هي دار الجزاء وهي الدار الخالية من العيوب والمنغصات والأكدار.
وبالتالي فإنه يجب ألا يجزع المسلم إذا رأى كثرة الكافرين وتفوقهم وتسليطهم على المؤمنين، ولا ييأس إذا رأى المظلومين ورأى قلة السالكين إلى الله ورأى بالمقابل كثرة الهالكين، المتنكبين لطريق الحق. وإليك بعض الأمثلة التي تعيد اليائس إلى جادة الصواب:

أبوجهل أبغض الأمة إلى الله، كان ينام شبعان ومعدته مليئة بأصناف الطعام اللذيذ وكان ينام ملء عينه، أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكان يربط الحجرين على معدته من شدة الجوع، ولا ينام إلا سويعات قليلة ثم ينهض وهو طاو على الجوع ينتصب قائما لله يصلي حتى تتفطر قدماه وإذا طلع عليه الصبح يسأل أهل بيته: "هل عندكم من طعام؟ فيقال: لا. فيقول: إذاً أصوم اليوم". ويمر في بيوته الأشهر لا يوقد فيها نار لطهي طعام، ويعيش وأهل بيته على التمر والماء.

فهل معنى ذلك أن الله فضّل أبا جهل على سيد الخلق صلى الله عليه وسم؟؟!!!

اليهود الآن لهم دولة ويسيطرون على مؤسسات العالم المالية ولهم علو في العالم كله، ويغتصبون ثالث مساجد الإسلام وأرض المسلمين في فلسطين ويهدمون بيوت المسلمين ويحرقون أشجارهم ويعتقلونهم لعشرات السنوات دون تهمة والمسلمون هناك يتعذبون ويُفرق بينهم وبين أبنائهم ولا يستطيعون السفر والتجول في بلادهم... أما اليهود من أبناء الزنا واللصوص فيعيشون في أفضل البيوت والمسابح والحدائق حولهم والفلسطينيون لا يجدون ماءً للشرب والوضوء فهل معنى ذلك أن الله فضّل من سمّاهم القردة والخنازير على الموحدين؟؟!!

الأمريكان والروس يقصفون أطفال ونساء العراق وسوريا من الطائرات ويستمتعون في بلادهم الخلابة بالغنى والمال والحدائق والطعام والشراب وكل أنواع اللهو والمسلمون في بلادهم يعانون الفقر والضنك والجوع والبؤس ويغرقون وهم يهاجرون فهل معنى ذلك أن الله فضّل أهل الصليب على أهل التوحيد؟؟!!

الكافر والكافرة في كل الأرض يعيشان بدون ممنوعات ولا حرام فعقالهم منفلت يخون الرجل زوجته وفي كل يوم ينام مع عشيقة ويمارس ما يحلو له من الرذائل، والمرأة في الغرب إن شاءت تنام كل يوم مع رجل ولا تعبأ بقيد ولا منع. أما المسلم العفيف فإنه إذا وقع نظره على ما لا يحلّ له استغفر الله... يدعى إلى الفاحشة فيدوس على شهوته ورغبته الجامحة التزاما بأوامر الله.... والمسلمة العفيفة الطاهرة تبتلى بزوج سيء ولا تجد منه اللطف والحنان والمودة والانسجام بل يهينها ويؤذيها... تحدثها نفسها بأن تخون وتبحث عما تفقده من حب وحنان واهتمام عند غير زوجها فيمنعها خوفها من ربها من اتباع الشيطان، وتبقى عفيفة حصينة طاهرة نقية تصبر وتبتغي الأجر من الله؟؟!!
فهل معنى ذلك أن الله يحب الكفرة والمشركين لذلك أعطاهم حياة يعيشون فيهما كما يحلو لهم بحرية مطلقة، ويكره المسلمين لذلك يقيدهم بما نهى وحرّم؟؟!!

إن المسألة فضلا عن المنهج الرباني الذي ينطوي على أسباب سعادة الدنيا لمن التزم به ويشقى من يتركه فإن المسألة لابد من النظر إليها نظرة كلية تشمل الدنيا والآخرة وينظر فيها اللبيب للعاقبة فكم من كافر عاش الدنيا بطولها وعرضها يرتع في لذائذها وشهواتها، لم يرَ فيها بؤسا ولا مرضا ولا سقما، وكان من أهل الغنى يملك العقارات والسيارات واليخوت، ويتجول في الدنيا حيث يريد ويفعل ما يشتهى دون قيد ولا رقيب ويعيش على ذلك مائة عام.... فهل هذا الرجل من أهل السعادة ومن أهل الفوز.
الجواب: إذا كانت الدنيا نهاية المطاف فقد سعد في الدنيا ثم تحوّل إلى تراب!! لكن الحق الذي لا نشك فيه بأنه سيبعث في الآخرة ويحاسب على إعراضه عن منهج الله فيؤخذ إلى نار جهنم. فما الفائدة من مائة سنة عاشها يرفل في سعادة الدنيا الزائلة والمنغصة ثم كان مأواه جهنم وبئس المصير؛ عن مثل تلك الحالة حدثنا الله تعالى فقال: "أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون"، وعن حاله وحال من يقابله وهو المؤمن المبتلى في الدنيا الواثق بوعد الله في الآخرة حدّثنا الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يُؤتَى بأنْعَم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ، فيُصْبَغ في النار صبغة ، ثم يُقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مَرّ بِكَ نَعِيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويُؤتَى بأشدّ الناس بُؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيُصْبَغ صبغة في الجنة، فيُقال له: يا ابن آدم هل رأيت بُؤساً قط؟ هل مَرّ بِك شِدّة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مَرّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط ".

وهكذا فلكل مسلم يائس أقول: لا تكن من المتعجلين لأمر الله والزم أمر والله وتقواه في الرخاء والشدة وفي سائر الأحوال سواءً في انتصار أهل الحق أو في انتفاش أهل الباطل، فالأمر كله لله وهو الحكيم الخبير. فلا تكن صبيا ملولا هلوعا يفرّ من أبرة دواء نافع، ويقبل على حلوى مسمومة.
لا تكن والعياذ بالله من صنف من الضالين ذكره الله في قوله تعالى: "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين". قال ابن عباس في تفسير الآية: "كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء".

أيها المسلم اليائس اصبر فإن العاقبة للصابرين الأتقياء وإن الفوز الحقيقي يكمن في قوله تعالى: "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور". وإن مما يَهون بلاء الدنيا وشِدّتها أن يعيش المسلم في جنة اليقين بنتيجة صبرِه، ويرى بعين اليقين ما أعدّ الله له، ففي الحديث الشريف: "يَوَدّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعْطَى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرِضَتْ في الدنيا بالمقاريض" رواه الترمذي.

وانظر أيها اللبيب إلى عمق النظر في العاقبة في قصة الحافظ ابن حجر مع اليهودي، حيث يروي أهل الأخبار أنه ابن حجر لما كان قاضي القضاة مر يوما بالسوق في موكب عظيم وهيئة جميلة فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار، وأثوابه ملطخة بالزيت، وهو في غاية الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته وقال: يا شيخ الإسلام، تزعم أن نبيكم قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"!! فأي سجن أنت فيه! وأي جنة أنا فيها؟! فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة فأسلم اليهودي.

 


مقالات اخرى