blog page

مذكرات آدم

هل حواء نجسة؟

عدد المشاهدات 18930

جمعتني دورة في اللغة الإنجليزية بفتاتين إحداهما مسلمة تفتقد للإلتزام بالإسلام وأخرى نصرانية من الناشطات في الدفاع عمّا يسمى بحقوق المرأة.
وفي حديث جانبي بينهما دار على مسمعي سألت فيه النصرانية صاحبتها إن كانت قد شاهدت برنامج تلفزيوني تحدثت فيه الضيفة بكثير من الإستهجان والإستنكار لبعض الأحاديث التي روتها كتب الصحاح والسنة كصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي وابن ماجة والنسائي، أحاديث تروي تعاملا غريبا من النبي – صلى الله عليه وسلم – مع نسائه الحُيّض وأن هذا التعامل لا يليق بنبي كريم وبالتالي فليس أمامنا إلا إنكار صحة هذه الأحاديث وردها!!
ومن الأحاديث التي أرادت تلك الجاهلة ردها حديث روته السيدة عائشة – رضي الله عنها - قالت: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِيَّ". أي يضع فمه مكان وضع فمها في الكأس أو اللقمة.
قلت للفتاتين موجها كلامي للنصرانية: وماذا في هذا؟! هل فيه ما يعيب تعامل النبي الراقي مع نسائه؟!
قالت: تلك المتحدثة في البرنامج رأته نوعا من الشذوذ لا يليق مطلقا بنبي كريم وأنا بدوري أرى أن النبي محمد لا يفعل ذلك.
قلت للفتاتين: لا حياء في طلب الحقيقة، ونحن نتحدث في موضوع الحيض وهو موضوع يستثير حياء الشرقيات فعذرا لأنني سأكون صريحا فيه. أتبعت كلامي بسؤال لهما: كيف تكون نفسية المرأة في أثناء دورتها الشهرية أو نفاسها.
قالتا: أكيد تكون في حالة من الانزعاج والكآبة وأحيانا يصحبها شعور بالتقزز فضلا عن نوبات الألم والمغص.
قلت: إذا المرأة في مثل هذه الأطوار تكون في أشد الحاجة للعون النفسي والمواساة والشعور بأنها كينونة إنسانية راقية حتى لو اعتراها هذا العارض الصحي الذ�� لا تملك له دفعا. وتحب ممن حولها، ولا سيما زوجها أن يشعرها بأنه يحبها ويقدّرها حتى لو أنه لا يحظى بالمتعة الجنسية الكاملة معها.
قالتا: كلام صحيح.
قلت: إذا وكيف ترى هذه الجاهلة أن تلاطف الرسول مع نسائه الحُيض شبق لا يليق بمقام النبوة مع أنه من أرقى أنواع الاهتمام والرعاية للمرأة في حالتها تلك.
تابعت حديثي الذي اتجه لنوع من التخصص في الرد على ما جاءت به تلك الجاهلة فقلت: تلك الأحاديث كلها صحيحة وعندما نفهم سياقها التشريعي والبيئي نعرف أي مكارم للأخلاق وإتمام لأفضل الشمائل جاء يعلمنا إياها رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم.
إن التوجيه النبوي والتعامل العملي الذي مارسه مع نسائه الحائضات يرفع من قدر المرأة ويجعلها كينونة إنسانية راقية وليست أداة جنسية توضع على الرفّ إذا حاضت. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يُعلم مجتمع المدينة المنورة من الأوس والخزرج الذين تأثروا باليهود الذين ساكنوهم مدينتهم فتأثروا بهم كونهم أهل كتاب نعرف أنه كان يجتث قبائح اليهود من جذورها؛ فمن المعلوم أن اليهود ليومنا هذا يسيئون جدا للمرأة الحائض ويشَدَّدون في وجوب اعتزالها ويعتبرون أن من مَسَّها يصير نجسا. ويحرّمون على أنفسهم أن يأكلوا من طعام صنعته!!..ويعتزلونها في المأكل والمشرب والفراش. وكذلك فإن المجوس والعرب في جاهليتهم كانوا لا يساكنون الحائض ولا يؤاكلونها.
لقد ثبت بما ليس فيه مجال للشك بأن المرأة تكون عند حيضها في حالة من الضعف الجسدي كما تكون في اسوأ حالاتها النفسية لأسباب هرمونية ولأسباب نفسية واجتماعية فتكون في توتر وعصبية، هذا فضلا عن شعور يلازمها باستقذار نفسها طوال فترة حيضها. فإذا اجتمع ذلك مع عوامل خارجية من استقذار زوجها وأهلها لها واعتزالهم لمجلسها فإن لذلك آثار مدمرة في حالتها تلك.
فماذا صنع الإسلام لهذه الحالة وكيف علمنا نبي الإسلام المبعوث رحمة للعالمين ماذا نفعل في هذه القضية الاجتماعية الحساسة؛ إن الحكم الشرعي واضح بتحريم المعاشرة الجنسية بين الرجل وزوجته وهي حائض وأثبت القرآن أن في ذلك أذىً للطرفين وقد ثبت علميا ضرر ذلك. لكن الآية بشكل واضح والسنة بشكل أوضح بينّا أن الاعتزال إنما يكون لموضع الأذى وهو موضع الدم فقط دون غيره وبَيَّن الرسول للرجال أن من الجائز أن تُعَاشِرُوا زوجاتكم وتستمتعوا بهنَّ بما يحلو لكم من وجوه الاستمتاع إلا الجماع في الفرج فقال عليه الصلاة والسلام: «واصنعوا كل شيء إلا الجماع». رواه مسلم. وطبّق ذلك عمليا فقالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يأمُرُني فأتَّزر (ألبس إزارا)، فيُبَاشرني وأنا حائض». رواه البخاري، والأمر كان مع جميع نسائه تقول عائشة أيضا: «كانت إحدانا -أي أزواجه- إذا كانت حائضاً أمَرَها رسول الله عليه الصلاة والسلام أن تأتزر بإزار ثم يُبَاشرها». وكان عليه الصلاة والسلام يُقَبِّل زوجته الحائض إشعاراً لها بمودته وقربها من قلبه في كل أحوالها.
ما الذي حمل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك مع أن نسائه الأخريات لم يكن في حيض وقت حيض إحداهن؟! لماذا لم يعتزل الحائض ويذهب لغيرها؟! إنه يريد أن يوصل رسالة لها بأنها رغم حيضها مرغوب فيها محبوبة عنده مقدرة مكرّمة. بل إنه ذهب أبعد من ذلك عندما كان يحرص على إثبات أنها كينونة طاهرة حتى لو مرت بالحيض وأن المؤمن لا ينجس وأنها رفيعة القدر عنده وعند الله؛ تقول عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن". وكان يظهر محبته لنسائه الحُيّض ففي صحيح مسلم في كتاب الحيض عن عائشة قالت: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِيَّ". أي يضع فمه مكان وضع فمها في الكأس أو اللقمة.
إنه يريد أن يقول لمجتمع المدينة ولرجال العالم: (لا تصغوا لليهود المتغطرسين المتحاملين على المرأة. جالسوها وخالطوها وكلوا واشربوا معها)

لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على إيصال تلك الرسالة لرجال أمته بأكثر من طريقة عملية فكان يغتسل مع زوجته الحائض من إناء واحد، وكان يضطجع مع زوجته الحائض في الفراش نفسه فلا يَشْمَئِز منها ولا يَبْتَعِد عنها، ويدل على ذلك حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: «بينما أنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في الخميلة (يعني الفراش) إذ حِضْتُ فانسللت (أي: خرجت) منها وأخذت ثياب حيضتي فلبستها، فقال رسول الله: أَنُفِسْتِ؟ - يعني حِضْت -. فقلت: نعم. فدعاني فأدخلني معه في الخميلة».

بالله عليكم هل هناك أرقى وأكرم من هذه الأخلاق الربانية التي قام بها خير البشرية وعلمنا نحن الرجال كيف نقدّر نسائنا ونحترمهن ونرتقي في التعامل معهن والتخفيف عنهن في سائر الظروف والأحوال.


مقالات اخرى