blog page

مذكرات آدم

عين بكت من خشية "التوجيهي"

عدد المشاهدات 54930

في العشر الأواخر من شهر رمضان في العام 1437 كنت مع عائلتي نشهد صلاة التهجد في مسجد الأوابين في العاصمة الأردنية عمّان، فوجئت زوجتي بفتاة في مصلى النساء لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها تبكي بحرقة أثناء تلاوة الإمام في الصلاة وفي السجود والركوع على حد سواء.. قالت في نفسها: جزى الله من يؤم المصلين خير الجزاء على تلاوته التي هزت أعماقنا وجعلت فتاة في ربيع عمرها تبكي هذا البكاء. ثم إنها غبطت الفتاة على بكائها من خشية الله وما يعنيه ذلك من تحصين من النار مصداقا لحديث النبي – صلى الله عليه وسلم - : (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله). 
انتهت الصلاة وظلت الفتاة تبكي بحرقة وبدأت زوجتي وبعض النساء يخففن عنها وأحضرت إحداهن الماء لها، لكنها استمرت في النحيب حتى أن زوجتي بكت ببكائها، ولما استمر الأمر على النحو نفسه بدأت النساء يسألنها عن خطبها وهي لا تجيب!
جال في خاطر زوجتي الكثير من الأسباب التي تجعل هذه الفتاة تستمر في البكاء؛ قد يكون الأمر محصورا فعلا في قدرة كتاب الله على مخاطبة القلوب وترقيقها، ومع استمرار بكاء الفتاة ذهب تفكير زوجتي إلى مصاب جلل أصاب قريب أو حبيب لهذه الفتاة، ثم ذهب ظنها بعيدا بأنها قد ألمّت بذنب كبير وأنها في أشد حالات الندم.... قطع هذه الخواطر أن الفتاة قررت الإجابة على سؤال النساء المُلِح عن سبب البكاء فقالت: "أنا طالبة توجيهي" – ثانوية عامة -!!
كان جواب الفتاة صاعقا للنساء اللواتي انفضضن عنها وتركنها وهن يُقلّبن كفا بكف، ونقلت لي زوجتي القصة وهي تحوقل معترضة على النظام التعليمي البائس الذي أوصل الطلاب لهذا الوضع اليائس.
تذكرت كلام شقيقي الذي عمل مدرسا في أفضل المدارس النموذجية لربع قرن عندما علّق على التعقيد المقصود في امتحانات الثانوية العامة التي تجعل من اجتياز  الطالب المتوسط لامتحان التوجيهي ضربا من المستحيل، قال لي: إن الامتحان النموذجي المناسب هو الذي يتفوق فيه 15% فقط ويسقط فيه 15% فقط من الطلاب، وأما نسبة 70% من الطلاب فتنجح فيه بدرجات متواضعة وجيدة إلى جيدة جدا. وإن أي امتحان لا يفرز هذه النتائج فهو إما تقييم متهاون وبالتالي فهو كاذب أو امتحان تعجيزي.
إن نظرة سريعة للبيوت العربية التي يقدم أحد أبنائها امتحان الثانوية العامة وكيف تتحول هذه البيوت إلى بؤرة من التوتر، وكيف يتم إعلان الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ والتي يتم بموجبها تعليق العلاقات الاجتماعية مع الأرحام والجيران، ويعيش الطلاب أجواءً صعبة وضغوطات نفسية كبيرة من الأهل والمدرسة تؤدي ببعضهم للانتحار. مما يؤكد أن هذا النظام التقييمي العقيم مجانب للصواب ولا يمكن أن يكون صحيحا بحال.
والسؤال هل يفرز كل هذا التوتر والقلق الذي تمر به البيوت العربية مخرجات تعليمية ناجحة وتقدما في بلادنا؟
الإجابة بكل أسف: لا. وإن مقارنة سريعة بين النظام التعليمي في العالم العربي من جهة واليابان والغرب في الجهة المقابلة تكشف بسهولة أن نظامهم التعليمي يقوم على أساس من التخطيط والتنسيق بين مخرجات التعليم وخطط التنمية؛ بحيث يتم توجيه الطلاب إلى التخصصات التي تحتاجها البلاد في الخطط القادمة حتى لو كانت تخصصات عملية ومهنية، وإلا فما الفائدة من تخريج جيش من المهندسين الصناعيين وليس في بلادنا مصانع تشغلّهم.
مقارنة أخرى انقدحت في ذهني متعلقة بآليات نظامهم التعليمي في الغرب واليابان وغيرها من الدول المتقدمة، فهم يعمدون حتى في الصفوف الدنيا إلى تحويل العملية التعليمة إلى عملية مشوقة ومعلومات ترسخ في ذهن الطالب لا يمكن نسيانها فيقوم المدرس مثلا باصطحاب الأطفال إلى حديقة أو غابة قريبة ويطلب منهم جمع الحشرات والمفصليات لمعرفة الفروق التشريحية بين المجموعتين؛ وبهذا فلن ينسى الطالب ما بقي أن العناكب لها ثمانية أرجل والحشرات لها ست فقط. وتساهم حركة الأطفال خلال بحثهم العلمي المصغر في ممارسة الرياضة وتخليصهم من نوبات الشغب بسبب الاكتظاظ الصفي ولزوم مقاعد الدراسة. أما في بلادنا فإن المدرس مطالب بضبط 50 طفلا مفطورين على كثرة الحركة في حجرة صفية لا تزيد مساحتها على أربعة أمتار مربعة في ظروف لا إنسانية. ومطالب في الوقت نفسه بإيصال معلومة علمية عملية عبر كتاب نظري ودون إجراء أية تجربة .... فكيف يمكن بعد كل هذا التخلف في تعليمنا أن نحصل على نتائج علمية وعملية تنهض بالبلاد؟!
أعادتني زوجتي من شرودي عندما قالت: بمناسبة فتاة التوجيهي يجب أن نبدأ البحث عن شقة بأربع غرف لتخصيص واحدة لابننا أحمد المقبل على امتحانات التوجيهي العام المقبل!!
قلت لها: أهلا بالأحكام العرفية ومرحبا بانضمامنا إلى نادي التوتر العقيم. 


مقالات اخرى