قصة "نهاية"

عدد المشاهدات 863

 

رنّ الهاتف الأرضي والتقطت الأم السبعينية السماعة لتجد ابنها متحدثا في بلد غربته، سألته بلهفة: كيف الصبي؟

سكت الرجل وبلهجة فاترة أجاب: قصدك البنت!! فقالت الأم بامتعاض: "البنت الثالثة!! ربي يجبر كسرك."

سادت لحظات صمت فاستدرك وسأل: ماذا أسميها؟ قالت: سمِّها أي اسم، لا تستحق أن تتصل اتصالا دوليا لتشاورني في اسمها."

حلّت لحظات صمت أخرى. ثم قالت الأم: سمِّها "نهاية" "كفاية" "ختام". لعل الله يختم لك خلفة البنات!!

عوضا عن السؤال عن صحة الوالدة وصحة المولودة!! أنهت السبيعينية المكالمة بذلك الاعتراض الصارخ على الله!!

 

*    *   *

 

كان عمر "نهاية" سنتين عندما وضعت أمها مولودا ذكرا ردّ لأم البنات بعض الاعتبار أمام العجوز التي ردّت الأمر لاسم "نهاية" الذي وضع حدا للبنات وكأن ذلك التهديد المبطن للقدر كان ناجعا!

لكن خاب ظنها فبعد الصبي رزق الله المرأة بتوأم بنات!!

كأخواتها فإن "نهاية" كانت تُعيّر كونها أنثى دون أن تدري بفطرتها وبراءتها سببا لهذا، وكانت تلحظ تمييزا لصالح شقيقها من الجدة والأب وحتى الأم التي كانت تلوذ بالصمت كلما سألتها إحدى بناتها: لماذا حمادة؟؟!!

استغرق الأمر أن تبلغ "نهاية" عشر سنين حتى تفهم الأمر بعمق أكبر، وقدّر الله لها خيرا بالتعرف على داعية فاضلة في مسجد الحيّ لتفهم أن الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – لا يرضيان بهذا الظلم الذي يقع على الإناث في مجتمعاتنا، وكانت "نهاية" تذهلها الصورة الفنية القرآنية الرائعة التي صوّرها الله لأهل الجاهلية الأولى...

"وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون"

كانت مسرورة من الحكم الإلهي بسوء من يفعل ذلك، وكانت تشعر بأن الله يرد لها اعتبارها ممن ظلمها. وكانت تعيش في ظلال سيرة خير البرية وتلوذ بعالمه النظيف والذي يحسن فيه للناس سواءً كانوا ذكورا أو إناثا لكنها تلحظ عنده لطفا أكبر مع الإناث ووصية أكبر بهن وتطييبا رائعا لخواطرهن واعتدادا برأيهن.

كانت تلك العوالم النبوية الجميلة تنجح في عزلها شعوريا عن قبح عالمنا. لكن تلك العزلة لم تدم طويلا فقد زوّجها أبوها لأول طارق ولم يصغِ لتوسلها بإكمال دراستها الثانوية.

 

*    *   *

 

سبع سنوات عجاف قضتها في بيت عائلة زوجها، لم تيأس من إصلاح دين زوجها، تجمّلت بالصبر من ضيق ذات يده، لم تتذمر من الخدمة المتواصلة عند عائلة زوجها التي برت ج��دها النحيل، لكن إهانات والد زوجها المتكررة وصمت زوجها حيالها كانت تتدحرج ككرة ثلج، كان يمعن في إيذاء مشاعرها ويلعن اليوم الذي خطبها لابنه، ولم يشفع لها أنها أنجبت صبيين، ولم يوقف صمت الحَمل الوديع ذلك الذئب العادي. وكلما طلبت من زوجها أن يوقف والده عن توجيه الإهانات لها! كان لا يكتفي بالحياد الجائر بل يتهمها بأنها لا تعرف قدر الكبير وتحرضه على عقوق والده!!

 

كثيرا ما سألت نفسها عن سر بغضه لها مع أنها لم تبدأه بإساءة. ولم تجد تفسيرا إلا أنه كان يدرك مقدار بغضها لانتفاخه وكذبه وادعائه التدين، وكان يقرأ في عينيها احتقار جاهليته، وزاد من حنقه أنه كان يسمعها وهي تقصّ على ابنها البكر السيرة النبوية وتتقصد أن تذكر وقائع أحسن فيها النبي للمرأة ووضعها في مكانها اللائق. عندها كان يطير صوابه ويصرخ في وجهها ووجه حفيده بأن مهمة المرأة الخدمة المنزلية وليس أن تتحدث في سيرة خير البرية!!

 

*    *   *

 

لم تتوقف "نهاية" عن توجيه ولدها الذي اعتبرته أملها الوحيد، ولم يتوقف والد زوجها عن اتهامها باختطاف ذهن سميّه وطالبها بأن تتوقف عن الحديث مع الصغير لتحافظ على زواجها وما هي فيه من نعمة عيش وهددها بأنه يوشك أن يزوّج ابنه بامرأة تحسن تربية أحفاده!! زوجها لم يعلّق!! سألته عن رأيه فبقي صامتا!! وفي الفراش قال لها بصراحة أنه لا يستطيع أن يواجه والده وطالبها بأن تختصر لمصلحتها.

عندها قررت أن تذهب لبيت أهلها ولم تفلح محاولات زوجها في ثنيها عن عزمها لكن والده منعها من أخذ الصغيرين معها.

في بيت أهلها تقلبت على الجمر بين لوم وعتاب جدتها وأبويها، وبين تشظي فؤادها على صغيريها، لم تفلح دموع الصغيرين في استدرار عطف أبيهما، وخابت مساعي الصلح إذ لم تسمح كرامة أبيها له أن يبدو وكأنه يتوسل إعادة ابنته.

كعادتها كلما جنّ الليل، لاذت بالسجود لربها وبثت له شكواها، وأمسكت بمصحفها حتى بلغت قوله تعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ"

 

عند تلك الآية كتب الله بداية جديدة لـ "نهاية" التي نامت مبتسمة


مقالات اخرى