الزم قدميها فثمّ الجنة!!

عدد المشاهدات 8495

محادثاتنا الهاتفية قليلة بحكم أنها جارتي وأراها وأجلس معها كل يوم، ونتمشى سوية، وأحيانا أنام في بيتها.. اتصلت بي ذات ظهرٍ قائظ وكان صوتها قلقاً، ومن الواضح أنها تريد قول أمر تعتقد أنه في غاية الأهمية.
قالت: يا ولدي، أردت أن أحذرك من الخروج لصلاة الظهر فالمسجد بعيد عن مكان عملك وهناك تحذير من ارتفاع حرارة الجو إلى 40 درجة، أخشى عليك من ضربة شمس! وعدتها بالطاعة وأغلقت معها وأنا أفكر بقلبها وروحها الدائبين أبداً على القلق والتفكير بسبعة من الأولاد والبنات كلهم مستقلون ومتزوجون وأصغرهم على أعتاب الثلاثين، تعجبت من عطائها الذي لا ينضب، عطاء ليس أقله لساناً يلهج بالدعاء للولد ولولد الولد.
أنام عندها بصحبة ابني، ولا يغمض لها جفن قبل أن تطمئن أنها وفرت لنا الطعام والشراب والفراش الوثير، وتكرر سؤالها: هل ينقصكم شيء؟ ورغم أننا نؤكد لها أن خدمة الخمسة نجوم التي تقدمها لنا لم تدع لنا مجالاً لسؤال. إلا أنها تتسلل بهدوء مرتين أو ثلاثاً لتغطي حفيدها وتطمئن أن كل شيء على مايرام.
لم يَـحُـل استيقاظها من الفجر أن تنتظرني قرب باب دارها، في الثانية فجراً لتطمأن على ابني الذي كان في المستشفى. وعند ذات الباب انتظرتني وهي تحمل دواءً تريد إعطائي إياه لوعكة ألمّت بي، ولم تشأ أن توقظني حتى أستيقظ من تلقاء نفسي.
مشاعر كثيرة تنتابني وأنا أراها تغمرني بعطائها، أهمها شعوري بالتقصير والخجل من مقامها الذي يستوجب لزوم قدميها، وأتذكر دائماً شأن رجل صالح كشف الله عنه كربة بسبب بره بأبويه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان، وكنت لا أغبق (أقدم) قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يوماً (بعدت) فلم أرح عليهما (فلم أرجع) حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما (حصتهما) فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي (يصيحون) فاستيقظا فشربا غبوقهما..."
إنني لا أدعو أن ينصبّ اهتمام أحدنا في والديه، وأن يترك أولاده عالة، ذلك أن أحدا لا يحتاج إلى وصية بأولاده فهو مفطور على الاهتمام بهم، لكن ما أمسّ حاجتنا أن نعاهد أنفسنا على مزيد من الالتفات لأبوينا، أن نجالسهم ونستمع إليهم، ونتشرف بخدمتهم والاهتمام بهم. ففي ذلك شكر لله، ذلك أنه تعالى ربط بين شكره وشكر الوالدين.
واختم كلامي بأمر من النبي لرجل جاءه يريد أن يجاهد معه فلما عرف أن أمه حية ومحتاجة إليه قال له: "ويحك الزم رجلها فثمّ الجنة".


مقالات اخرى