هيا نلعب (2)

عدد المشاهدات 22099

"بابا احكي لنا حكاية" "بابا لعبنا لعبة الجمل" "بابا انظر ماذا رسمت! ماذا صنعت؟ كيف ركَبت ألعابي؟ بابا اسمع نكتتي. اسمع قصتي......
نداءات ملّـحة ودعوات متكررة تحاصرني من صغاري في غمرة انشغالاتي، أو بعد بلوغي البيت منهكا من يوم عمل حافل، ولأني أدرك أهمية اللعب معهم من جهة، وحبورهم بدخولي عالمهم الصغير من جهة أخرى، فإني ألجأ لحلول توفيقية في معظم الأحيان، بأن اختصر حقهم في اللعب معي إلى أضيق حدود أو أن أطلب تأجيل اللعب إلى ما بعد قيلولة، أو أن أكتفي بنظرة سريعة للعبة ركبها أحدهم أو لوحة رسمها آخر وإبداء إعجاب متصنع ومبالغ فيه دون التمعن في التفاصيل التي تعني لصغارنا الكثير.
وأحيانا أصغي لكلامهم الذي يبدو للكبار مفككاً وأنا منصرف الذهن في إتمام عملي أو قراءة كتاب أو متابعة التلفزيون، فتمتد أناملهم الصغيرة إلى خدي استجلاباً لحضوري، فتارة ألتفت بكليتي تلقاءهم خجلا منهم، وتارات أردد كلمات توهم باهتمامي ومتابعتي لما يسردون. وكمحاولة لاستدرار عطفهم أشرح لهم أن تأمين الحياة الكريمة لهم، هو سبب انشغالي عن ملاعبتهم، فينصرفون متبرمين وقد خاب رجاؤهم.
ينعكس تبرمهم علي إحباطا بسبب انشغالي الحقيقي بتأمين فواتير المعيشة، وينعكس حزنا لعلمي بأن ملاعبة الأطفال ضرورة ترتقي إلى أهمية الطعام والشراب فهو أسلوب لبناء جسور وطيدة بين الآباء والأبناء، وهو وسيلة تربوية مشوقة لزرع الإيمان بالله وتوحيده، وإبراز دور القدوة لخاتم المرسلين – عليه الصلاة والسلام- وإيصال قيم الإسلام العظيم لنفوسهم.
وكما أن مشاركتهم اللعب كفيل بتطوير مهاراتهم وتنمية خيالهم ومعارفهم واستيعاب مفاهيم مجتمعهم وإدراك العناصر المكونة له. وبالجملة فإن نزول الأب لمستوى أولاده يؤدي إلى ارتفاعهم هم إلى مستواه بدرجة كبيرة. إن دعوة الأطفال للكبار بسرد حكاية أو بمشاركة في لعبة هي دعوة مجانية لتقبّل التوجيه، لكن هذه العروض السخية التي يزهد بها الأهل لن تتكرر عند بلوغ أطفالهم سن المراهقة المنغلق على نفسه.
وإذا كنت ملماً بتلك الحقائق التربوية السالفة، فإني احترم عقول الصغار وأعرف أنهم يدركون أنا نحن الكبار نهمل في حقهم مرتين مرة بعدم اللعب معهم، ومرة أخرى عند مجاملتهم والتصنع في التفاعل معهم، ففي استطلاع أجرته مجلة "صحة" الإيطالية على عينة من 1600 طفل أعمارهم بين 6 و14 عاما اعتقد 82% منهم أن آباءهم يلعبون معهم بين الحين والآخر باعتبار أنه واجب ثقيل لابد من إنهائه بسرعة، وتمنى 92% منهم مشاركة آبائهم في اللعب بصورة مستمرة وبتفاعل أكبر.
ومرة أخرى، أرجع لرحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم لأجد عنده الجواب الشافي، فقد كان سبطاه الحسن والحسين رضي الله عنهما يركبان ظهره الشريف ويقولان: حَلْ حَلْ ، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم : نعم الجمل جملكما.


مقالات اخرى