blog page

مذكرات آدم

بيوت مطمئنة

عدد المشاهدات 2161

ذات ليلة كنت جالسا مع ضيفي، ولفت انتباهي أن الخادمة التي كانت معهم وكانت ترعى طفلته الصغيرة في غرفة الجلوس المجاورة تسند رأسها إلى الأريكة وقد غلبها النعاس، فيغلبها النوم وتغالبه.
قلت لضيفي، ألا تعتقد أن من حق هذه الخادمة التي تعطي بيتكم وأطفالكم اهتمامها في النهار أن ترتاح في الليل؟ قال: طبعا هي تنام في الليل كما ننام!! قلت: أقصد، أن يكون عندها دواماً محدداً ينتهي عند الثامنة مساء.
قال: هذا كلام عجيب، يفسد الخدم، ويمنحهم أكثر من حقهم. فخادمتنا راضية تمام الرضا، نحن نطعمها ونعطيها راتبها ولا نضربها، لكن هل تتوقع منا أن نعطيها إجازة يومية أو أسبوعية. أو أن نسمح لها بالخروج في نزهة!!
قلت لضيفي نحن مقيدون بآداب الإسلام الذي نظّم كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، فكما أنه نظم حياتنا الزوجية وصلاتنا بأبوينا وأرحامنا وجيراننا، ونظم العلاقة المالية بيننا، فإنه لم يترك العلاقة بين الخدم ومن يخدمونهم دون مراعاة لآداب عامة تحمي هذه العلاقة من تسلط وبطش اليد العليا أو من حقد وانتقام ومكر اليد السفلى.
ثم رويت لضيفي حديثا نبويا بالمعنى حول توجيه النبي أحد أصحابه أن النهار من حق المخدوم والليل من حق الخادم.
وبعد انصراف ضيفي، سبقتني زوجتي بالحديث عن ذات الموضوع، ذلك أنها لاحظت في عيون الخادمة خوفاً يظهر بلاشك رعبها من سيدتها، وأنها لا تلقى تلك المعاملة الحسنة، ثم قالت: استغرب بحق ممن يسيئون لخدمهم في الوقت الذي يسلمونهم ويستأمنونهم فيه على فلذات أكبادهم، ألا يخاف هؤلاء أن يجد الخدم في هؤلاء الأبناء فرصة للانتقام من تسلط مخدوميهم!!
قلت: لو أن الناس يحتكمون لهدي النبي لعاشوا سعداء، وعاش من حولهم بسعادة ورضا فقد رفع النبي من الخدم فجعلهم لنا إخوانا قال صلى الله عليه وسلم: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم"

ففي هذا الحديث رفع النبي من شأن الخدم إلى درجة المخدومين والسادة، فبين المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الخدم إخوان لمخدوميهم ولباقي المجتمع في الدين والإنسانية، وكان الظاهر أن يقول خولكم ( أي خدمكم ) إخوانكم ولكن قدم الأخوة على الخدمة، فالخدمة إعانة فكيف نجعلها سبب تحقير وإهانة؟!
وضرب النبي مثلا في نفسه في إحسان معاملة الخدم وبلغ ذروة لا يبلغها بشر، فعن أنس رضي الله عنه خادم النبي صلى الله عليه وسلم قال: خدمتُ رسول الله تسع سنين فما أعلمُه قال لي قَطُّ: لم فعلت كذا أو كذا، ولا عاب على شيئًا قط
إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه مالا يعطي على العنف، وصية لكل عائلة عندها خادمة أن تحسن إليها وتعاملها بالرفق دون ترك الحبل على الغارب، إن من شأن ذلك أن تكون البيوت مطمئنة والنفوس سوية.


مقالات اخرى