منارات لأهل السماء!!

عدد المشاهدات 2126

استمعت لمحاضرة حول قيمة الوقت، ولم يغفل المحاضر أن يخصّ المرأة المسلمة بأساليب لاستثمار وقتها وهي منشغلة في أعمال بيتها، ومن ذلك الاستماع للقرآن لمراجعة حفظها، وإطلاق لسانها بذكر الله والاستغفار وهي في زحمة أعمالها المنزلية.
خطرت لي فكرة تحقق هدفين؛ الأول مراجعة حفظي لسورة من القرآن، والثاني التواصل مع ولدي ومراجعته لحفظه كذلك، فناديته وطلبت إليه أن يسمع كلينا لتلاوة الآخر في سورة مريم. فقال: "ما رأيك أن نراجع الحفظ بطريقتي؟" سألت باستغراب: وما هي طريقتك؟
قال: يبدأ أحدنا بتلاوة آية وبعد فراغه منها، يكون الدور على الثاني في قراءة الآية التي تليها. قلت: إن طريقتك رائعة تجعل الحافظ والمستمع في يقظة أثناء التسميع، هل أنت من اخترع هذه الطريقة؟
قال أحمد بزهو: نعم أنا من اخترعها، وقد سمّيتها طريقة المقاطعة لأن أحدنا يقطع تلاوة الآخر.
بغض النظر عن الأسماء فالعبرة بالمسميات والنتيجة التي ملأت قلبي سروراً وحبوراً هي حصول ابني على المركز الأول في مسابقة حفظ جزء من القرآن في مدرسته وجائزة خاصة من مديرة المدرسة للمتقنين. وذلك بفضل الله تعالى ثم بجهود ابني الذاتية فمتابعتنا له متواضعة.
أقول: كم يزهد الآباء في الخير الذي تنطوي عليه قلوب أطفالهم، وكم هم معرضون عن طاقات إيجابية رائعة عند هؤلاء الصغار، مع أن استخراج هذه الكنوز لا يحتاج من الآباء إلا لبعض المتابعة التي لا تعني محاصرة أبنائهم بجدية يرفضها عالم الصغار. كما يحتاج الأمر لتشجيع ذكي مدروس، وبذل الأهل لبعض من أوقاتهم في مصحابتهم والاستماع إليهم وتوجيه إنجازاتهم دون وصاية.

ما أقصده هنا تحديداً، توجيه الأطفال بلين وتشويق لبيئات المساجد ولتلاوة القرآن وحفظ ما يتيسر منه، إن ذلك كفيل ببناء أساس متين للإيمان بالله يصمد أمام رياح المراهقة، وتيارات الفساد الجارفة. وسيكون المسجد في ذهن الإنسان الذي ارتاده صغيراً، صراطا مستقيما يحفظه من التيه ويعيده إلى رحاب الله كلما نأت به المسافات وتفرقت به السبل. وسيكون القرآن في وعي من حفظه يافعاً، موئلاً وحصنا للأخلاق وحافظاً من الضلالات.
شكا لي زميل طباع أبنائه العصيّة، والصعوبة التي يجدها في التواصل والتفاهم معهم، وكان حزينا لأنه يعتبر نفسه وزوجته أبوين مثاليين، فهما يوفران لأبنائهما كل ما يتمنون، ويصحبونهم إلى النزهات والمطاعم ومدن الملاهي وبيتهم ممتلئ بشتى الألعاب، وفيه أكثر من تلفاز وأكثر من جهاز لوحي لترفيه الأطفال!!
قلت له: هل تصحبهم إلى المساجد؟ وإذا كانت تجمعكم كل أماكن اللهو السابقة فهل تجتمعون ولو مرة بالأسبوع على مائدة القرآن؟ ويبدو أني أحرجته بأسئلتي لأنه أطرق وأطال السكوت. شعرت بالحرج وتداركت الموقف بأول حديث نبوي خطر على ذهني يرّغب في جعل للقرآن نصيبا في بيوتنا، قال صلى الله عليه وسلم: "البيت الذي يُقرأ فيه القرآن، يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض".
فمتى تكون بيوتنا منارات لملائكة السماء، بعد أن نأت بها الشياطين عن رحاب الله؟


مقالات اخرى