مذكرات آدم

هيا نلعب (1)

عدد المشاهدات 27151

قبل أن أرزق بأطفال، أذكر أن زوجتي كانت تطلب مني أن أشاركها اهتمامها ببعض ألعاب الحاسوب والمسابقات الخفيفة التي كنا نلعبها في أيام الطفولة والصبا، كنت أترفع عما كنت أعتقده طفولة متأخرة متذرعاً بكثرة مشاغلي وتوزع وقتي بين العمل ومتابعة الدراسة وصلوات الجماعة، وكنت أقرن رفضي أحيانا بنصيحة لها على ملء وقتها بالإقبال على كتاب الله وطلب العلم والأمور النافعة.
ومضت سنوات قبل أن أكتشف أني جانبت الصواب في فعلي ذاك، وأني أثقلت عليها بصرامة رتيبة ألبستها ثوب الإسلام. لأكتشف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الناس جدية وانشغالاً بالحق، وقد وصف الله ما أنزله عليه بالثقيل قال تعالى: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" فكان نهاره وليله موزعاً بين تلقي القول الثقيل (الوحي) وبين تفطر القدمين في صلاة الليل، والدعوة إلى الله وتعليم الناس والقضاء بينهم وتأسيس وإدارة الدولة، والجهاد في سبيل الله ومواجهة أعداء يرمون دولته الوليدة عن قوس واحدة.. كان يجد وقتاً وسط هذا كله للعب مع زوجاته والترفيه عنهن، فقد أتحفتنا الأحاديث النبوية التي تروي سيرته مع زوجاته بهذا التجلي الإنساني الرائع لسيد الأولين والآخرين وأفضل الأزواج دون منازع. فكان علي�� الصلاة والسلام يرفه عنهن، إما داخل بيوته أو خارجها، فكان يسابق عائشة - رضي الله عنها - بالجري أيهما يصل إلى الهدف أولا، فسبق عائشة مرة، ثم سبقته هي مرة في زمن لاحق، فراحت عائشة تزهو عليه بسبقها إياه، لكنه سارع فقال: "هذه بتلك " يعنى: "واحدة بواحدة"، أما ترفيه النبي لزوجاته خارج البيوت فكان إذا خرج من المدينة في شأن من شؤون الدعوة قرع بين نسائه لاصطحابه معه في غزوة أو عمرة أو حج.
وجاء غلمان الأحابيش إلى المدينة وأقاموا جوار مسجده صلى الله عليه وسلم بعض الرقصات الحربية واللعب بالسيوف والتروس، وكانت السيدة عائشة تميل إلى مشاهدة تلك الألعاب، فإذا به يفتح باب بيتها مواربا فتقف هي وراء النبي واضعة رأسها على كتفه، وتنظر إلى الأحباش وهم يلعبون، فلم ينصرف عن هذا الوضع حتى كانت عائشة هي التي تنصرف عن المشاهدة المحببة إليها.
لقد قرأت تلك الأحاديث كثيراً، لكني لم أتبصر بمعانيها التي يجب أن تنعكس على كل من يزعم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
ولما ثبت إلى رشدي، لم يسعفني الوقت فقد رزقنا الله بالأطفال، الذين شغلوا وقتينا معاً فلم تعد زوجتي وسط أعباء البيت والأطفال تجد وقتاً للعب!


مقالات اخرى