متعبون صغار ومستبدون كبار

عدد المشاهدات 2893

في يوم إجازة عارضة اجتمعت نسائم الفجر الندية مع إشراقات كلام الله تعالى وأنا أتلوه، فعشت في رحاب القرآن سعادة أجدها كلما قرأت كتاب الله بصفاء وإقبال وشعور بأن الله يخاطبني فيه.
استيقظ طفلي ذو العشرة أعوام، أقبلت عليه واعتنقته، تحدثنا قليلاً ثم قلت له مذكراً بصلاة الفجر "تعلم أنا مشتاق كثيراً لسماع صوتك الجميل بتلاوة القرآن، ما رأيك أن تتوضأ وتصلي فتسعدني بسماع صوتك"، قام من فوره وفعل. وفي الأثناء استيقظ أخواه التوأم، شعرت ببعض الضيق لأن كثيراً من الاشتباكات ستحدث في وقت مبكر اليوم. ولم يطل بنا الوقت وبدأت شرارات ما كنت أخشاه في الحدوث فقلت لهم بمزاج رائق: هل تحبون أن تكونوا أفضل الناس في هذه اللحظة. قالوا: نعم. فرويت لهم الحديث النبوي "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ما رأيكم أن تجلسوا لأخيكم الكبير يعلمكم القرآن؟!
قالا: ولماذا لا تعلمنا أنت؟!

قلت: لأنه يجب أن أخرج للقيام بمعاملة في دائرة حكومية. ولكني أعدكم بأن نذهب عصرا إلى حديقة الطيور كما أعدكم أن أعود لعادتي القديمة بأن أقصّ عليكم حكاية قبل النوم.

تهلل الصغار جميعا وقفز أكثرهم حركة من مكانه متعلقا بعنقي وهو يصرخ : "أحلى بابا!!".
رأيت الصغيرين وهما يحملان مصحفين وتوقعت من أحدهما وهو المشتهر في البيت بـ "المكسّراتي"؛ لأنه لا يكاد يحمل شيئا إلا ويسقط من يده، توقعت أن يسقط المصحف منه فقلت لهما: ليس من الضروري أن تحملا المصاحف لأن شقيقكما يحمل واحدا وهو سيلقنّكم السورة مشافهة، فأصرّا على المصاحف، فقلت بمزاج رائق: لا بأس لكن احذرا فهذا كتاب الله ويجب أن نحذر من سقوطه على الأرض.
لم تمضِ دقائق حتى أسقط "المكسّراتي" المصحف على الأرض فينفك غلافه!! غضبت حينها وقلت: ألم أقل لكما؟! ألم أحذركما؟!
ارتبك الصغير وأشفقت عليه فآثرت مغادرة المنزل لإنجاز المعاملة الحكومية.
كالعادة في الدوائر الحكومية فإن الداخل مفقود والخارج مولود، والبيروقراطية المقيتة سيدة الموقف، ويحلو فيها لكثير من الموظفين الاستئساد على الناس والشعور بالتفوق والتعالي وممارسة التسلط الأجوف. فقدت أعصابي أمام التعقيد غير المبرر ولمّا أصرّ الموظف على إحالتي لدائرة أخرى للحصول على معلومة كانت موجودة أصلا في ملفي، طلبت الدخول إلى المدير وأخبرته أن المعلومة مدونة في ثنايا ملفي عندهم فرفض التماسي وقال بأنهم يحتاجون لتحديثها. عندها قلت له: لو دخلت على رقمي الوطني على الحاسوب فإنك ستعرف كافة المعلومات المطلوبة فلماذا تصرّ على تعطيلي. أليس عندكم حكومة إلكترونية؟! عندها استشاط المدير غضبا وقال وهو منتفخ الأوداج: لا تقل كلاما كبيرا، فنحن لا ينقصنا كلام "جرائد". والمعاملة لن تتم إلا بذهابك للدائرة المطلوبة، وتفضل من غير مطرود.
خرجت وأنا أشعر بالقهر وذهبت مجبرا إلى تلك الدائرة متجشما بُعد المكان وأجرة السيارة وطابور تلك الدائرة. وعدت مرة أخرى للدائرة الأولى وأنا أشعر أني لست أكثر من ثور في ساقية.
استأخرتني زوجتي فاتصلت وأخبرتني عن انتظار الأولاد بلهفة مشوار الحديقة، فأخبرتها أن تحضرّهم نفسيا لإلغاء المشوار وكسرت وعدي وأنا أشعر بالآسف.
مساء ذلك اليوم زارنا بعض الأصدقاء زيارة عائلية وتأخر الوقت وعندما ذهبوا كان أحد صغارنا نائما والآخران ينتظران إنجاز وعدي وأن أقصّ عليهما حكاية قبل النوم. طلبت إليهما تأجيل الأمر للغد متعللا بنوم أخيهما وتأخر الوقت والمدارس. ذهبا متأففين غاضبين وكانت أمهما تعنفهما على التأفف والاعتراض وتطلب منهما تقدير أنني قضيت يوما متعبا في دوائر الحكومة.
في الفراش شكت لي زوجتي متاعب الصغار فقلت لها بلسان نفسي اللوامة: ما ذنب الصغار إذا كنا نحن الكبار نعاني التعسّف وخيبات واقعنا المريض ومشكلاته المستعصية فنعكس ذلك عسفا عليهم ونتقلّب بين دعاوىً مثالية على ألسنتنا لا يجدون لها ترجمة في معاملتنا لهم!!
اللهم ربنا حسّن واقعنا وحسّن أخلاقنا وأحسن تأدبينا حتى نحسن تأديب صغارنا.

 


مقالات اخرى