مذكرات آدم

نظراتٌ بِـكْـر!!

عدد المشاهدات 2053

وقعت في حبها من النظرة الأولى، كانت بسامة الثغر، صبوحة الـمُحيّا، تكتحل عيونها اللماحة بأهداب طويلة، بشرتها البيضاء المشرّبة بحمرة مع شفتيها الورديتين يزيدان أنوثتها ألقا.

صرت مشغول الفؤاد بها، أتذكر وجهها وأنا في غمرة أعمالي فأبتسم وأمنّي نفسي برؤيتها وضمها ولثم خديها الناعمين كأنسام صبح عرفتها فيه.
لا تذهبنّ بك الظنون بعيداً... إنها ابنتي الأولى بعد ثلاثة ذكور، فكان حبوري بقدومها أعظم من الرضا الذي يشعر به من يشرب الماء البارد على الظمأ.
فجر ذلك اليوم... كان ترتيبي أن أنهي الكثير من الأعمال المعلقة، لكن الأمور لم تسر على النحو الذي خططت له، فبعد أدائي صلاة الفجر وجدت طفلتي مستيقظة ومتلهفة للعب معي. كان ذلك واضحاً لي، فبعد ستة أشهر من صحبتنا اليومية بت أفهم إشاراتها ولغتها.
سألت زوجتي عن سر هجرها غرفة نومنا، فأجابت وقد بدا الإعياء ظاهراً على وجهها: البنت أسهرتني، ولم أشأ أن أزعج نومك. نظرت إليها بامتنان ولسان حالي "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وأخذت الطفلة وطلبت من زوجتي أن تخلد للنوم فأنا سأتدبر أمر "لَـيَـان" التي ابتسمت وبدت منتشية وأنا أحملها.
لم أشعر بضيق مع علمي أن رعاية الطفلة سيمنعني من إنهاء أعمالي المؤجلة، ذلك أني تعودت من الله الإحسان والتفضل عليّ بالتوفيق، لعلمه تعالى أني أتقرب إليه بعمل فيه مودة ورحمة وإحسان لشريكة الحياة. فالمودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين لا تتأتى إلا ببذل مزيد من تقدير الطرفين وشكرهما عملياً لبعضهما وخصوصاً الرجل الذي يجب عليه ألا يغفل عما تقوم به أنثاه؛ زوجةً وأماً ومربية لأطفاله، فضلاً عن قيامها طواعية بدور الخادم له ولبيته. ما الذي يمنع الأب أن يرعى أطفاله تخفيفاً عن زوجته وشكراً لها. أولاً، وإشباعاً لرغبات أطفاله الضرورية بالاقتراب منه وصحبته ثانياً.
إن الأب الصالح ليحتسب عند الله كل آية من القرآن يقرأها في حضرة أطفاله، وكل ملاعبة وقبلة حانية وكل كلمة نافعة وكل معلومة صغيرة يقصد من خلالها تشكيل معرفتهم للكون الفسيح وخالقه المبدع.
فجر ذلك اليوم... حملتها على الشرفة وأنا أقرأ القرآن، شعرت بسعادة لكني لم أتوقع ذلك الجمال الهائل الذي لوّنت به صباحي. لقد أحيت أحاسيسي المتبلدة تجاه "تنفس الصبح" وبهرتني نظراتها البكر لطيران العصافير، وسماعها الأول لزقزقتها وتغريدها الذي يختفي مع صخب الناس، وراعني أن ابنتي لم يرمش طرفها في تجربتها الأولى مع شروق الشمس. والتقى كتاب الله المسطور مع كتاب الله المنظور وأنا أتلو: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.."
قلت لنفسي نحن بحاجة للصغار ربما كحاجتهم إلينا، فهم يعيدوننا إلى رحاب الله ويلوّنون سأمنا من الحياة بحبهم لمفرداتها البكر.
وأخيراً فلا أدري إن كان من قرأ السطور السابقة يشاطرني الرأي أن طفلتي أسعفتني بفكرة جميلة لهذه المقالة!


مقالات اخرى