مذكرات آدم

النظرة بعيني صقر

عدد المشاهدات 17090

تعوّدت أنا وزوجتي على أحاديث ما قبل النوم في مواضيع شتى... نتلظى أحيانا بلهيب السياسة والفتن التي تضطرم بها بلاد المسلمين العزيزة على قلوبنا.... نتحدث في حكايات الأولاد ونتشاور في شؤونهم وشؤون بيتنا وحياتنا صغيرها وكبيرها... أحيانا تكون أحاديثنا أقرب للثرثرة والفضفضة واعترف بأنها في بعض الأحيان لا تخلو من غيبة... نسأل الله أن يتوب علينا.
في تلك الليلة حدثتها عن عشرات الرسائل التي تصل بشكل شبه يومي لموقعنا الإلكتروني الذي يعتبر بوابة للمسلمين وملاذا لاستشاراتهم الشرعية والأسرية والتربوية تلك الرسائل التي تصل من أخوات مسلمات من بلادٍ شتى يشتكين الاحباط المرتبط بالعنس ويطلبن المشورة والدعم والدعاء على أقل تقدير، لكن المرعب في الأمر أنها ليست ظاهرة فردية محدودة بل إنها كابوس مقلق يمتد في العالم العربي كله وأن العوانس في بعض بلدان المشرق العربي تعدين المليون وفي أحد بلدان مغربه بلغت عدد من تخطين سن الثلاثين ولم يتزوجن أربعة ملايين فتاة.
حوقلت زوجتي وبدأت أحدّثها عن تعدد الزوجات كحلٍ رباني لهذه المشكلة وقلت لها فلننظر للموضوع بعيني صقر!!
قالت: وما علاقة الصقر؟
قلت: إن الصقر يطير من علو شاهق فنظرته للأشياء تكون شاملة وكلية، فلنستخدم عين الصقر عندما ننظر لموضوع تعدد الزوجات فهو شرع محكم من رب حكيم عليم لا يحابي الرجال ويستحيل في حقه أن يظلم النساء، لكنه في نفس الوقت امتحن فيه المرأة التي يتزوج زوجها عليها بالصبر على الحكم الشرعي والحكم القدري، وامتحن ضرائرها بمخافة الله في القول والفعل، كما امتحن الرجل المعدد بالعدل، ورتّب على ظلمه لأي من الأطراف أن يبعثه الله يوم القيامة وشقه مائل.

الله الخبير خلق الزوجين مختلفين في العلاقة الحميمة من حيث الاستعداد الدائم للرجل لها وحضور الأنثى الطاغي في نفسه، وما يقابل ذلك من ظروف قاهرة تمر بها المرأة كالعذر الشرعي المسقط للصلاة وكالحمل وفترة الإنجاب، وفترات الإحباطات النفسية التي تمنعها من التفاعل.. كل ذلك يمنع المرأة من الاستجابة لتلك الإيجابية الطاغية عند الرجل. ولن أبالغ إذا قلت أن ثلث حياة الرجل معطل عن هذه الحاجة التي لا يستطيع أن يتجاهلها وغيابها يجعله مشوشا، ولأن مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية الإعفاف فإن شرعة التعدد تسد أبواب الذرائع لظاهر الإثم وباطنه وتعطي للرجل طريقا حلالا يعصمه.
والتعدد لا يعصم الرجل فقط من الانحراف بل يعصم شرائح كثيرة من النساء اللواتي لسبب أو لآخر لم يُرزقن الأزواج أو لشريحة المطلقات والأرامل، وبالنظر "لبنات الحلال" هؤلاء نجد أنهن طاقات معطلة، وعواطفهن مهدرة، وحاجاتهن للعلاقة الحميمة مع الرجال قنبلة موقوتة تهدد المجتمع بأسره. وهنا يأتي مقصد الشريعة بإعفافهن وصيانتهن عن الرذيلة من ناحية ومن ناحية أخرى الاستفادة من طاقاتهن الإيجابية في إعمار البيوت وإنجاب الذرية الصالحة التي تتفق مع حث النبي – صلى الله عليه وسلم – على ذلك (تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم)، وواقع المسلمين في فلسطين وأوروبا وأميريكا يثبت أن الإنجاب هو السلاح الناعم والأهم في ترجيح كفتهم.
إذاً شرائع الإسلام من سماتها تقديم المصالح العامة على مصلحة الفرد، وهذا يتجلى في إباحة التعدد، بامتحان المرأة التي يتزوج زوجها عليها بالصبر على طبيعتها الغيورة من أجل إعفاف أكبر لزوجها ولمسلمة أخرى هي في النهاية أختها.
والواقعية هي سمة أخرى في التشريعات الربانية، ولهذا فإن الإسلام عندما جاء في وقت يعدد فيه الرجال الزوجات بدون تحديد، لم يلغ التعدد بل قننه إلى أربع، وربنا إذ قيّده إلى هذا الحد فإنه يعلم أن الرجل السوي الصالح يقدر على الاهتمام بأربع نساء وقادر أن يحبهن جميعا، وأن يغطي حوائجهن المادية والوجدانية. كما تتجلى الواقعية في معرفة الله الخبير العليم أن عدد النساء أكثر من الرجال لأسباب كثيرة وهذا ما تثبته الإحصائيات القديمة والحديثة، وهذا التفاوت في العدد يتطلب علاجا واقعيا.
لكن في نهاية المطاف يجب أن أعترف أن هذه الشرعة الربانية التي لا نشك في حكمتها نجد أن تطبيقاتها خالطها الكثير من المشكلات والإحباطات التي يمكن أن نحيلها بشكل إجمالي إلى غياب الإيمان والتقوى عن النفوس إلا من رحم الله.
بعد هذه المرافعة الطويلة رمقتني زوجتي بنظرة غريبة وتصنعت الحياد وقالت: ولكن المشكلة تكمن "يا أبوعيون الصقر" ليست فقط في العنوسة فتأخر سن الزواج هو المشكلة الأهم عند الشباب العاطلين قبل أن يكون مشكلة عند الفتيات. ومربط الفرس هو الأحوال الاقتصادية في بلادنا والتي تمنع الشاب أن يتزوج بواحدة فكيف تطالبه بالزواج من ثانية لحل مشكلة العنوسة؟!.
أدارت زوجتي ظهرها وهي تقول: تصبح على خير حبي!!
وهنا سكت آدم عن الكلام المباح، وغط في نوم حتى الصباح!!


مقالات اخرى