مذكرات آدم

السلام عليك أيها النبي

عدد المشاهدات 8875

سررت أيما سرور، وسرت في روحي بهجة لا يعلمها إلا الله وأنا أصلي صلاة الفجر خلف ولدي أحمد ذا الستة عشر ربيعا – حفظه الله –؛ لقد لامست الآيات التي قرأها بصوته الشجي قلبي الذي فاض شكرا لله على نعمة الولد الصالح، فكم من والد معذب بمراهقة ولده الذي سحبه قرناء السوء إلى عوالم الدخان والمخدرات والفجور. وكم من فاضل وفاضلة جرّهما ولدهما إلى أقسام الشرطة بعد تورطه بمختلف المشكلات.
إن الولد الصالح الحريص على مرضاة ربه، وتعلم دينه، البار بأبوية، الرفيق بإخوته وأخواته، الواصل لرحمه، المحسن لجيرانه، هو قرّة عين لأبويه وحسناته تعود لصحيفة أعمالهما، وهذا كان من أسباب سروري به وهو يؤمني في صلاة الفجر فقد عادت بي ذاكرتي لسنوات خلت كنت أعلمه أحكام التلاوة وأستمع لحفظه فحمدت الله على توفيقه فالله هو رب العالمين الذي يربينا ويربي أطفالنا وبنعمته تتم الصالحات ومن فضله علينا أنه يحتسب ذلك لنا؛ وهو الفضل الرباني الذي وعدنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عندما قال:" "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً....".
وعلى ذكر هذا الفضل فقد سألني ابني أحمد ذات جلسة قرآنية مباركة في دارنا فقال: من الذي كان سببا لهدايتك يا أبي؟ قلت: "جدك رحمه الله فقد التزم بالإسلام وكان عمره في الثلاثين ودعانا ونحن أطفالا صغارا إلى أعمال الإسلام، وربّانا عليه وحرص أن نكون على الهدى".
ولأن أحمد كان صاحب قلب عقول ولسان سؤول فإنه أتبع سؤاله بسؤال آخر عن جده: من الذي كان وراء هداية جدي – رحمه الله -؟ أجبته: "الشيخ أحمد سامي أبولبن – رحمه الله - وكان مهندسا يعمل مع جدك في نفس المكان لكنه كان إذا انصرف من عمله زار الجيران وأهل الحي يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى. وغيّر بجهده حياة مئات الأسر وأخرجهم بإذن ربه من الظلمات إلى النور، وانتهى به المطاف أن يكون من أوائل الدعاة إلى الله في الدنمارك وكان أقوى المدافعين عن النبي صلى الله عليه وسلم في أزمة الرسوم المسيئة عام 2005."
عندها قال أحمد : سبحان الله إذا فكل أعمالي الصالحة هي في صحيفة الشيخ أحمد رحمه الله؟
قلت له: هو في صحيفة جدك وصحيفته لا ينقص ذلك من أجرهما شيئا. لكن عندي جواب لك أعجب من ذلك... هل ترى الأعمال الصالحة لأمة الإسلام التي يقترب عددها من الملياري نسمة؟! هل تعلم أن كل تلك الأعمال تحتسب لنبيك صلى الله عليه وسلم فقد جاء والبشرية في ظلمات الجاهلية وتجرد للدعوة إلى ربه ففتح الله به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. وصبر وأوذي في سبيل الله وجاهد في الله حق جهاده حتى بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة فأكثر يا أحمد من الصلاة عليه واسأل الله أن يجزيه خير ما جازى رسولا عن أمته ونبيا عن قومه.

*******
ذات صلاة عصر وأنا في الجلوس الأخير أقرأ "التحيات والصلوات الإبراهيمية" وبملء شعوري قرأت: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته...."
كانت كلمة "عليك" هي التي تستجيش شجوناً واتصالاً بحضرة النبي لم أعشه من قبل.. تذكرت فضل الله علينا بأن جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتذكرت وحمدت الله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا.. عزيز عليه ما عنتنا.. حريص علينا بالمؤمنين رؤوف رحيم. وسبحت في عوالم الاتصال بخير البرية وبشفاه روحي قلت:

السلام عليك أيها النبي... وقد خطف الموت أباك قبل أن يراك، وطوى الأجل أمك وأنت ابن ست سنين..

السلام عليك أيها النبي... وقد رددت الفضل لربك فقلت: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" فما أقلت الغبراء أصدق منك لهجة، ولا أوفى منك ذمة، ولا أرأف منك بالعالمين، واحتمى بك الناس إذا حمي الوطيس فقلت لهم" لن تراعوا.. لن تراعوا"، ولم تبلغ الريح المرسلة جودك، وتمّم الله بك مكارم الأخلاق.

السلام عليك أيها النبي... وقد أذاك قومك وأخرجوك وكسروا رباعيتك وقذفوك بالشوك والحجارة وأدموا قدميك فيُعرض عليك إهلاكهم فتقول: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"..
السلام عليك أيها النبي... وقد صليتَ في حجرتك حتى تفطرت قدماك وأنت طاوٍ على الجوع في بيوت لا توقد فيها نار وترأف بحالك أمنا عائشة – رضي الله عنها – فتقول: " أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" فتجيبها: "أفلا أكون عبداً شكوراً"

السلام عليك أيها النبي... وأنت تحفر الخندق وقد دثّرك وأصحابك البردُ، تربط على بطنك حجرين، تبشرهم بالنصر..

السلام عليك أيها النبي... وأنت على مشارف مكة فاتحا وقد أحنيت رأسك على رحلك تواضعاً لله.. ثم قلت للذين حاربوك "لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء"..

السلام عليك أيها النبي... وقد حملك الوفاء إلى الرجوع مع أنصارك للمدينة تاركاً أحب بلاد الله إليك.. مسبحاً ربك مستغفراً..

السلام عليك أيها النبي... مسلّماً على أهل البقيع.. وقد عُرضت عليك الدنيا فآثرت الرفيق الأعلى..

السلام عليك في التوراة...
"محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً"

السلام عليك في الإنجيل...
"... فقال لهم يسوع: ألم تقرأوا في الكتاب: الحجر الذي رفضه البناة، هو نفسه صار حجر الزاوية الأساسي. من الرب كان هذا، وهو عجيب في أنظارنا! لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع من أيديكم ويسلّم إلى شعب يؤدي ثمره. فأي من يقع على هذا الحجر يتكسر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقاً"


مقالات اخرى