مذكرات آدم

عشاء مع السيدة الأولى *

عدد المشاهدات 3603

كانت دائما تنظر إلي بإعجاب، كنت ألاحظ هذا إذا نظرت في عينيها وأنا أتحدث إليها أو أخبرها بإنجاز حققته في العمل أو بنجاح حققه أحد أبنائي، أو حتى وأنا أكلمها بكلام عادي باهت لا يستحق أدنى إعجاب.
كانت كثيرا ما تتصل بي للاطمئنان علي وسماع صوتي، ولم يثنيها قط برودي في استقبال مكالماتها وردودي المقتضبة على أسئلتها المتلهفة عن اتصالها اليومي بي.
مرت سنوات كثيرة على حبها لي وإبداء إعجابها، ولم يمنعها صمتي ووجومي عندما كانت تبوح لي بحبها من تكرار هذا البوح بشكل شبه يومي، والاتكاء على أي مناسبة كفرصة لإظهار حبها واهتمامها.
لم أكن أحب أسلوبها واعتبره مبالغة وعواطف أنثوية لا أجد لها مكانا وسط انشغالي بأعمالي وسفري وعائلتي وأصحابي. في بعض الأحيان كنت أفسر تصرفاتها بالغيرة من علاقتي المستقرة بزوجتي لاسيما عندما كانت تلمح إلى إهمال زوجتي في حقي. وفي أحيان أخرى كنت أضيق ذرعاً، وأشعر باختناق ويكاد يفلت لساني مطالباً إياها بوقف إظهار توددها وحبها.
بعد عشر سنوات حدث أمر غيّر من تفاعلي مع تلميحات وتصريحات تلك السيدة، فقد دخلتِ المستشفى لأيام، ولازمتها متفرغا من كل مشاغلي، وفي أيام المستشفى تحسنت علاقتي مع الله وفي فترات نومها كنت أجلس في مصلى المستشفى وأكثر من صلاة النافلة، ومع أنني ممن يحافظون على صلواتهم لكن كثرة مشاغلي كانت تحول بيني وبين صلوات الجماعة وبين التنفل وقراءة القرآن.
اقتربت من الله، فاقتربت أكثر من أمي أو أن الله قربني منها، مكافأة لي على تقربي إليه. شعرت بأن هذه السيدة كان يجب منذ البداية أن تحتل شغاف قلبي وأن تكون السيدة الأولى بالنسبة لي. وكنت كلما تذكرت اتصالاتها وإشارتها وبوحها المتكرر بحبي وسلبيتي في الاستجابة فكنت أبكي بحرقة على ما فرطت في جنبها.
مع تعافيها من وعكتها ذاب الجليد الذي كان يغلف علاقتي بها، ووجدت بريقاً جديداً في حبها.
بت أرى وجهها يشرق بأمل تجده في وجه صبية في العشرين، وكم فرحت إلى حد المفاجأة وتهللت لحد الجذل عندما أخبرتها بدعوتي لها على العشاء في مطعم هادئ.
‏تساءلت: نحن الاثنان فقط؟! قلت مداعباً: طبعا أيتها السيدة الأولى.
ويوم الموعد كانت تنتظر عند الباب مرتدية ‏جلبابا سابغا لكنه شبابي اللون.
ابتسمت ‏أمي كملاك وقالت: ‏قلت لجميع جاراتي أنني سأخرج اليوم معك، والجميع
ينتظرون الأخبار التي سأقصها عليهم بعد عودتي"، ثم قالت: "أرجو أن تخرج مع زوجتك لوحدكما غدا حتى لا تشعر بالغيرة"
قلت: لا تقلقي يا أمي، زوجتي متدينة وتعرف حقك عند الله وهي فرحة بخروجي معك!
وعندما وصلنا إلى المطعم تمسكت أمي بذراعي ومشت بزهو، وبعد أن جلسنا بدأت اقرأ قائمة الطعام عليها حيث أنها لا ‏تستطيع قراءة الأحرف الصغيرة.
وبينما كنت اقرأ كانت تنظر إلي ‏بابتسامة عريضة وقاطعتني قائلة: "كنت أنا من اقرأ لك وأنت صغير"
أجبتها: "‏حان الآن موعد تسديد شيء يسير من الدين ورد قليل من بحر فضلك عليّ"
تحدثت أمي كثيراً أثناء العشاء، وتحدثت أنا أكثر ونحن نتناول العشاء لدرجة أننا نسينا الوقت إلى ما بعد منتصف الليل وعندما رجعنا ووصلنا إلى باب بيتها قالت: "أوافق أن نخرج سوياً مرة أخرى، ‏ولكن على حسابي"...... ‏فقبلت يدها وودعتها.
بعد يومين فقط توفيت أمي بنوبة قلبية. ‏حدث ذلك فجأة، وأصبت بذهول ومرارة وذقت شعور اليتم على كبر سني، وشعرت بشعور من تهوي به الريح في مكان سحيق. كنت أبكي بمرارة نادما على عشر سنوات من إهمالي لها. وكنت أدعو الله أن يغفر لي وأن تكون قد أسلمت له الروح وهي راضية عني.
وبعد عدة أيام وصلني إلى مكتبي بطاقتي دعوة للعشاء من المطعم ‏الذي دعوتها إليه، مع ملاحظة مكتوبة بخطها:
"ابني الحبيب، هذه بطاقة دعوة لك ولزوجتك على عشاء رومانسي، وقد دفعت الفاتورة مقدماً، أنتما تستحقان كل خير، وأسأل الله أن يملأ حياتكما بالحب والبهجة، وأخيرا فإني أود إخبارك بأنك أدخلت السعادة على قلبي بدعوتي للعشاء، وكانت تلك الليلة من أجمل أيام عمري.... ‏أحبك يا ولدي".

 

* قصة مقتبسة من بعض المنتديات مع إعادة بناء وإعادة صياغة لغوية.


مقالات اخرى