مذكرات آدم

قصة أصبع!!

عدد المشاهدات 13161

رغم معرفتي بأن ابنتي تبالغ بإظهار الألم وتنهمر منها الدموع بضغطة زر عند وقوع مشاجرة بينها وبين أخيها استجلابا لوقوفي أو وقوف أمها إلى جانبها لكني متأكد أن أخاها لا يوليها عطفا ولا يبتدرها بمحبة ويحاسبها محاسبة الشريك على كل نقير أو قطمير.
كثيرا ما أخاطب فيه أخلاق أهل المساجد الذي هو منهم وأن الأخلاق الحسنة صنوان مع العبادات بل هي من أفضل أنواع القربات فما بالك إذا كانت من المسلم لأهل بيته مصداقا لحديث النبي – صلى الله عليه وسلم - : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
ذات مشكلة بينه وبين شقيقته الصغرى ذكّرته بما يثني عليه شيخه في المسجد عندما قال في حضرته أن ابنك لا يحتاج إلى توجيه!! واستندت على ذلك لتحذيره أن يكون ذلك ضرب من ضروب الازدواجية والرياء فهو يظهر الخُلق الحسن ولين الجانب لمشايخه وأقرانه خارج المنزل ويظهر الشدة على إخوته وأخواته.
لم أجد استجابة لعتابي وكنت أعلم أنه لابد له أن يمرّ بمواقف عملية وتجارب يدفع ثمنها ليتعلّم منها ويغيّر من أسلوبه الفظ؛ لم يطل الأمر كثيرا ففي ليلة ذلك النهار الذي عيّرته فيه بسلوكه اتصل بي ابني الثاني وأنا وأمه في زيارة عائلية مسائية مشتكيا منه. طلبت منه بلهجة آمرة وحاسبة طلبت التوقف عن التواصل مع أخيه وسمحت له باستخدام الجهاز اللوحي وألعابه الكثيرة لينصرف عن إثارة المشكلات.
عدنا للبيت وأنا أمنّي نفسي بنوم هادئ بعد يوم إجازة ملئ بزيارات اجتماعية كثيرة ومرهقة. تبددت أحلامي عندما أستيقظ صاحبنا ليريني أصبع يده المنتفخ بطريقة تنذر بأنه مكسور واعترف بأنه حاول أن يضرب أخاه لكن يده طاشت وأصابها ما أصابها!!
جُنّ جنوني وأنا اصطحبه للطوارئ وتعالى صراخي وتوبيخي له وتقبيح أفعاله ووصل الأمر أني جعلت ما حدث معه عقوبة إلهية على عصيان أوامري مذكرا بأن الرب – تبارك وتعالى – يغضب لغضب الأب على ولده... وفي الطوارئ تابع الممرض ما بدأت به عندما سأله عن سبب تورم اصبعه فأجابه بصدق طفولي: "كنت أريد ضرب أخي فارتطمت يدي بالجدار" وعندها لم يتوانَ الممرض عن التشفي به قائلا: تستحق ذلك العقاب!!
اختلطت مشاعر خوفه من الإبرة وصور الأشعة وبرد المكان والإحباط من توبيخي لأفعاله وعبارة الممرض لينفجر في البكاء. وكان لابد لي من إيقاف أي عتاب ولوم وطمأنته بأن الأمر هيّن، وبعد أن تأكد الطبيب بأنه لا يوجد كسر وأن الموضوع رضّة قوية لا أكثر طلب من ذات الممرض أن يضع يد طفلي في ضمادة طبية ضامّة لليد وبدأ الممرض بإلصاق الأصبع المصاب بجاره السليم، حيث أن أهم أسلوب لعلاج رضة الأصبع أن يكون مسنودا ببقية الأصابع عندها قلت لابني:
"انظر أنت الأصبع المصاب وأخوك الذي اختلفت معه هو الذي يجب أن يساندك في هذه الأزمة... فأنت دائم الحاجة لأخواتك وإخوانك وهم بحاجتك وأنتم مثل أصابع اليد الواحدة!!
لقد كان ذكيا كفاية ليفهم الرسالة التي يحتاجها الأخوة والأخوات في كل عائلة فهي رسالة عملية وتجربة واقعية كنت أنتظرها بفارغ الصبر لتغيّر من سلوك ولدي هذا... والحمد لله هذا ما كان منه بعد تلك الحادثة.


مقالات اخرى